لغز اصابة الشباب بسرطان القولون والمستقيم وما الذي تغير في حياتنا
لطالما ارتبط سرطان القولون والمستقيم في الاذهان بكونه مرضا يداهم كبار السن حصرا مع تجاوزهم سن الخمسين. غير ان الواقع الطبي المعاصر كشف عن تحول وبائي مقلق يتمثل في ارتفاع معدلات الاصابة بهذا المرض بين فئات عمرية شابة لم تكن ضمن دائرة الخطر التقليدية. واظهرت الدراسات الحديثة ان هذا الاتجاه ليس مجرد صدفة بل ظاهرة متسارعة تفرض تحديات جديدة على المنظومة الصحية العالمية.
واوضحت التقارير الصادرة عن دوريات علمية مرموقة مثل ذا لانسيت اونكولوجي ان الارتفاع في الاصابات المبكرة شمل عشرات الدول. واشار الباحثون الى ان البيانات الاحصائية في الولايات المتحدة توضح زيادة سنوية مطردة في حالات السرطان لدى من هم دون سن الخمسين. مما يفتح الباب واسعا امام تساؤلات جوهرية حول مسببات هذا التغير البيولوجي والبيئي.
وبينت التحليلات ان العوامل الوراثية لا تقدم تفسيرا شاملا لهذه الظاهرة. اذ ان نسبة محدودة فقط من الشباب المصابين يحملون طفرات جينية معروفة. واكد المختصون ان الجينات البشرية لم تتطور بالسرعة الكافية لتبرير هذا الارتفاع المفاجئ. مما يشير الى ان الاجابة تكمن في تفاعل معقد بين نمط الحياة الحديث والتغيرات البيئية التي طرأت خلال العقود الاخيرة.
وكشفت الدراسات عن وجود تأثير جيل الميلاد. حيث يبدو ان التعرض لعوامل معينة منذ الطفولة والمراهقة يلعب دورا حاسما في تهيئة بيئة ملائمة لنمو الاورام لاحقا. واضاف العلماء ان انتشار السمنة والاضطرابات الايضية ونمط الغذاء الذي يعتمد على الاغذية فائقة التصنيع قد يكون من المحركات الرئيسية لهذه التغيرات. اضافة الى التغير في ميكروبيوم الامعاء.
واظهرت ابحاث متقدمة وجود صلة محتملة بين بعض سلالات بكتيريا الامعاء مثل الاشريكية القولونية المنتجة لمادة الكوليباكتين وتطور الاورام في سن مبكرة. واوضح الخبراء ان هذه البكتيريا قد تترك بصمات طفرية في الحمض النووي للخلايا تبدأ رحلتها السرطانية قبل سنوات طويلة من ظهور الاعراض السريرية.
واضافت الدراسات ان الاعراض الشائعة مثل النزف مع البراز او تغير عادات التبرز او الام البطن المستمرة غالبا ما يتم تجاهلها لدى الشباب بسبب صغر سنهم. وشدد الاطباء على ضرورة التخلي عن الفكرة النمطية التي تستبعد السرطان لدى صغار السن. مؤكدين ان التقييم الطبي المبكر عند ظهور اي علامات انذارية يعد خط الدفاع الاول للنجاة.
وبينت التوصيات الطبية ان الفحص الدوري والالتزام بنمط حياة صحي يتضمن ممارسة الرياضة والاعتماد على الالياف الطبيعية والابتعاد عن الممارسات الضارة يظل الوسيلة الانجع للوقاية. واختتم الباحثون بالتأكيد على ان العلم لا يزال في مرحلة البحث عن اجابات كاملة حول اسباب هذه الظاهرة. لكن المؤكد ان التغيرات البيئية والغذائية التي شهدتها الاجيال الحديثة خلقت تحديا صحيا يتطلب استجابة طبية واعية ومبكرة.
