هدنة اقتصادية بين واشنطن وبكين.. توازنات دقيقة ومصالح متبادلة
كشفت القمة الاخيرة بين الرئيس الامريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ عن هدنة اقتصادية محسوبة تهدف الى منح اكبر اقتصادين في العالم متنفسا للتعامل مع التحديات الداخلية المتزايدة. واظهرت المباحثات التي استمرت ثلاثة ايام ان الجانبين يسعيان الى تجنب التصعيد الجمركي المباشر في ظل ظروف اقتصادية دقيقة يمر بها كل طرف.
واوضح مراقبون ان بكين تسعى جاهدة لتجاوز تداعيات الازمة العقارية الخانقة التي اثرت بشكل مباشر على ثروة الاسر ومعدلات الانفاق المحلي. واضافت تقارير ان تراجع اسعار العقارات في الصين فاق التوقعات، مما دفع الاقتصاد للتركيز اكثر على قطاع التصدير لتعويض ضعف الطلب الداخلي. في المقابل، تركز الادارة الامريكية على كبح جماح التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مما يجعل خفض اسعار السلع المستوردة اولوية قصوى.
وتابعت القمة مسار خفض الرسوم الجمركية على سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار، تشمل منتجات زراعية ومستحضرات تجميل واجهزة طبية. وقال البيت الابيض ان الصين تعهدت باستيراد كميات ضخمة من الفحم الامريكي خلال السنوات المقبلة، في خطوة تستهدف دعم الصادرات الامريكية وتوفير استقرار في الامدادات. واضافت مصادر رسمية ان الجانبين اتفقا على تشكيل مجلس تجارة مشترك ومجموعات عمل لتعزيز الوصول الى الاسواق.
وبينت الارقام ان الرسوم الامريكية المفروضة على الصين، والتي تصل الى متوسط 23%، لم تنجح في كسر الفائض التجاري الصيني الذي لا يزال يسجل مستويات قياسية عبر توجيه الصادرات نحو اسواق بديلة. واشار محللون الى ان اعتماد الولايات المتحدة على سلاسل التوريد الصينية، لا سيما في قطاع المعادن النادرة، يحد من قدرة واشنطن على تصعيد الضغوط الاقتصادية بشكل منفرد.
واظهرت المعطيات ان التكنولوجيا تظل هي الساحة الاكثر حساسية، حيث تواصل واشنطن فرض قيود صارمة على وصول الصين الى رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة. واوضحت التفاهمات ان كلا الطرفين يحتفظ باوراق ضغط استراتيجية؛ فالصين تسيطر على المواد الخام الحيوية، بينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقا في التكنولوجيا المتقدمة والوصول الى اسواق استهلاكية كبرى.
وخلصت التحليلات الى ان هذه الهدنة لا تعدو كونها ترتيبا مؤقتا يمتد لفترة قصيرة، حيث يترقب العالم جولة جديدة من المفاوضات في نوفمبر المقبل. واضاف الخبراء ان القمة نجحت في منع انهيار العلاقات التجارية لكنها لم تقدم حلولا جذرية للاختلالات الهيكلية، مما يعني بقاء ملفات التجارة والرقائق والمعادن النادرة مفتوحة امام جولات قادمة من الصراع والتعاون.
