اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

تونس تواجه تحديات الشيخوخة السكانية وتحولات ديمغرافية عميقة

{title}
أخبار دقيقة -

أظهرت الأرقام الرسمية للتعداد العام للسكان والسكنى في تونس لعام 2024، أن الشيخوخة السكانية لم تعد مجرد توقعات بل أصبحت واقعا ملموسا. حيث ارتفعت نسبة السكان الذين تجاوزوا سن الستين إلى نحو 16.9% من إجمالي السكان، مقارنة بـ 11.38% في عام 2014، مما يكشف عن تحول ديمغرافي عميق في بنية المجتمع.

ووفقاً للمعهد الوطني للإحصاء، فإن هذه الزيادة تشير إلى تسارع وتيرة الشيخوخة وتراجع نسبة الفئات الشابة، مما يعكس انتقال تونس من مجتمع فتي إلى مجتمع متقدم في العمر. وتعتبر هذه المعطيات ذات دلالات اقتصادية واجتماعية وصحية واسعة.

تقول الأستاذة الجامعية المختصة في علم السكان سناء مقيرة، إن التعداد الأخير يشير إلى دخول تونس مرحلة متقدمة من الانتقال الديمغرافي بعد عقود من الفائض السكاني. وأوضحت أن تراجع معدلات الخصوبة إلى مستويات دون عتبة تعويض الأجيال أدى إلى تقلص قاعدة الهرم السكاني.

وترى مقيرة أن هذه المؤشرات تعكس تحولاً بنيوياً عميقاً، حيث لم تعد تونس تسجل الديناميكية الديمغرافية التي ميزت العقود الماضية. وأشارت إلى أنه في حال استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المتوقع أن تتجاوز نسبة كبار السن 20% في السنوات المقبلة.

أكدت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن تونس دخلت مرحلة من التباطؤ الواضح في النمو الديمغرافي، مع زيادة نسبة الشيخوخة وتراجع حصة الفئات في سن النشاط. تحاول الدولة التونسية مواكبة هذا التحول من خلال سياسات اجتماعية موجهة لكبار السن تشمل مؤسسات الإيواء وبرامج الإيداع العائلي التي تسمح برعاية المسنين داخل أسر بديلة.

كما توفر الدولة منحة شهرية للأسر الكافلة للمسنين، تقدر بنحو 350 دينارا (حوالي 112 دولارا)، في محاولة لدعم الرعاية الأسرية وتقليل الاعتماد على الإيواء المؤسساتي. ومع ذلك، يشير المختصون إلى أن هذه الآليات تبقى محدودة أمام اتساع حجم الفئة المسنّة.

يواجه النموذج التونسي في الرعاية الاجتماعية ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع عدد المتقاعدين مقابل تراجع عدد المساهمين في أنظمة الحماية الاجتماعية. حيث لا تغطي أنظمة الحماية الاجتماعية سوى نحو 52% من كبار السن، مما يترك شريحة واسعة في وضع هش اجتماعياً واقتصادياً.

تظهر آثار الشيخوخة بوضوح داخل المنظومة الصحية، حيث تتزايد الحاجة إلى متابعة الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في السن. وفي مستشفى شارل نيكول بالعاصمة، يقول الطبيب صهيب العطري إن أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب أصبحت من أكثر الحالات انتشاراً بين كبار السن، مما يفرض ضغطاً إضافياً على المستشفيات العمومية.

رغم أن أكثر من 88% من كبار السن يتمتعون بتغطية صحية، فإن المنظومة الصحية تواجه تحديات متنامية تتمثل في ارتفاع الطلب على الخدمات ونقص الاختصاصات في طب الشيخوخة والرعاية طويلة الأمد.

يرتبط هذا التحول بمجموعة من التغيرات البنيوية، حيث تراجع معدل الخصوبة إلى نحو 1.7 طفل لكل امرأة، وهو مستوى دون عتبة تعويض الأجيال، بالتوازي مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى أكثر من 76 سنة. وتشير البيانات إلى أن نمو فئة كبار السن أصبح أسرع من نمو الفئات الشابة، مما يعيد تشكيل الهرم السكاني.

يمتد أثر الشيخوخة إلى سوق العمل وأنظمة التقاعد، حيث تعتمد صناديق الضمان الاجتماعي على مساهمات العاملين لتمويل جرايات المتقاعدين. ويقول الخبير في الصناديق الاجتماعية هادي دحمان إن العلاقة بين المساهمين والمنتفعين تدهورت بشكل واضح، حيث انخفض عدد المساهمين لكل متقاعد من نحو 8.3 إلى حوالي 2.3 فقط.

يؤدي ارتفاع أمد الحياة إلى تمديد فترة الانتفاع بالتقاعد، مما يزيد من الضغوط المالية على الصناديق في ظل محدودية خلق فرص عمل جديدة. يتزامن التهرم السكاني مع هجرة الكفاءات والشباب التونسي نحو الخارج، مما يفاقم الضغط على سوق العمل الداخلي.

يرى مختصون أن النزيف البشري يضاعف أثر التحول الديمغرافي، حيث يقلص من قاعدة الفئة النشطة القادرة على تمويل أنظمة التقاعد. كما يساهم في شعور كبار السن بالعزلة في بعض المناطق التي تشهد هجرة واسعة لشبابها.

لا يمثل هذا التحول تحدياً فقط، بل يفتح أيضاً مجالاً اقتصادياً جديداً يعرف بـ"اقتصاد الفضة"، والذي يشمل خدمات الرعاية الصحية المنزلية والتأمين والسكن المخصص لكبار السن. يؤكد المختصون أن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحول جزءاً من عبء الشيخوخة إلى فرص اقتصادية عبر خلق وظائف جديدة.

رغم أن ارتفاع متوسط العمر وتحسن المؤشرات الصحية يعكسان مكاسب اجتماعية، فإن التهرم السكاني يضع تونس أمام تحديات بنيوية معقدة تتطلب إعادة التفكير في السياسات العمومية. يجمع الخبراء على أن التعامل مع هذا التحول يحتاج إلى رؤية شاملة تشمل دعم الأسرة وتحفيز الإنجاب وإصلاح أنظمة التقاعد وتطوير خدمات الرعاية الصحية.

تصميم و تطوير