أزمة هونديوس تعيد فتح ملف الأوبئة البحرية القديمة
أفادت تقارير حديثة أن أزمة سفينة الرحلات السياحية هونديوس قد أعادت للأذهان تساؤلات قديمة حول دور البحار كفضاء لانتشار الأوبئة، حيث يشير المؤرخ فرانسوا دريمو إلى تاريخ طويل من الأزمات الصحية البحرية. فقد أُجبرت السفينة على العزل في عرض المحيط بعد تسجيل حالات اشتباه بفيروس هانتا، مما أدى إلى رفض بعض الموانئ استقبالها خوفاً من انتقال العدوى.
وأشار دريمو إلى أن هذه الأحداث تذكرنا بأوبئة تاريخية مثل طاعون مرسيليا، حيث واجهت السفينة غراند سانت أنطوان تحديات مشابهة في القرن الثامن عشر. ومن خلال هذا المثال، يتضح أن التلكؤ في تطبيق التدابير الصحية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
كما قارن المؤرخ بين أزمة هونديوس وأزمة السفينة دايموند برينسس التي حدثت خلال بداية جائحة كوفيد-19، حيث أصبحت رمزاً للعجز في مواجهة الأوبئة. وتعرضت دايموند برينسس، التي كانت تحمل 3600 راكب، للعزل قبالة سواحل اليابان، مما أبرز ضعف الأنظمة الصحية الحديثة أمام الأمراض المعدية.
أنظمة الحجر الصحي البحرية ظهرت مبكرا، وأصبح وجود طبيب على متن السفن إلزاميا منذ منتصف القرن التاسع عشر مع تخصيص أماكن للعزل ومراقبة الركاب.
وبينما يتحدث المقال عن البحر كفضاء للعزل، فإنه يوضح أن الرحلات البحرية الطويلة في الماضي كانت توفر بيئات مغلقة تسمح بظهور أعراض الأمراض أثناء الإبحار. وقد تطورت أنظمة الحجر الصحي البحرية بشكل متسارع مع ازدياد الهجرة والتجارة العالمية.
ويستعرض المقال أيضًا مركز إيليس آيلاند في الولايات المتحدة، حيث خضع ملايين المهاجرين لفحوص صحية دقيقة قبل السماح لهم بالدخول. هذه البروتوكولات الصحية كانت تهدف إلى السيطرة على الأمراض الوافدة، مما يؤكد أهمية الصحة البحرية كأداة سياسية خلال القرن التاسع عشر.
الصحة البحرية تحولت خلال القرن التاسع عشر إلى أداة سياسية مرتبطة بالنفوذ الإمبراطوري.
ويشير دريمو إلى أن رفض الرأس الأخضر لاستقبال هونديوس يعكس بوضوح الأبعاد السياسية لقرارات الإغلاق، حيث تتداخل الاعتبارات الصحية مع مسائل السيادة الوطنية. كما أن ظهور السفر الجوي بعد الحرب العالمية الثانية غير طريقة انتشار الأمراض، حيث أصبح بالإمكان وصول المصابين إلى وجهاتهم قبل ظهور الأعراض.
قد تبدو رحلة هونديوس استثناءً، حيث استغرقت 46 يوماً، مما أعاد إلى الأذهان سيناريوهات الأمراض التي تتفجر في عرض البحر. وعلى الرغم من الدروس المستفادة من جائحة كوفيد-19، تبقى شركات الرحلات البحرية تحت الضغط لتطبيق بروتوكولات صحية أكثر صرامة.
تاريخياً، كانت الأمراض البحرية مرتبطة بالقوارض، حيث كانت الفئران تنقل الطاعون وغيره من الأوبئة عبر السفن.
يذكر المقال أيضًا أن الدول الأوروبية اتخذت إجراءات صارمة لمكافحة القوارض منذ القرن التاسع عشر، مع التركيز على تعقيم السفن ومنع الفئران من الصعود. ورغم هذه الجهود، تبقى القوارض هاجساً دائماً في عالم الملاحة، حيث يُعتبر العثور على فئران نافقة مؤشراً على وجود خطر صحي.
في الختام، يشير دريمو إلى أن أزمة هونديوس ليست مجرد حادثة صحية معزولة، بل تعكس عودة العالم إلى أساليب الحجر الصحي والعزل في أوقات الأزمات. ومع كل التقدم العلمي والتقني، تبقى البحار فضاءً هشاً أمام الأوبئة، مما يذكرنا بأن الذاكرة الجماعية للبشرية مرتبطة بصورة السفينة المعزولة الحاملة لمرض غير مرئي يهدد اليابسة بأكملها.
