مسجد سانكي ييدم في اسطنبول قصة صبر وادخار عمرها 400 عام

{title}
أخبار دقيقة -

يقع مسجد سانكي ييدم، المعروف أيضا بمسجد محمد شاكر أفندي أو مسجد كيتشجي خير الدين، في منطقة الفاتح بمدينة إسطنبول التركية. ويعد المسجد واحدا من أقدم وأغرب المساجد من حيث اسمه وقصته، إذ يمتد تاريخه لأكثر من 400 عام، ويحمل في طياته درسا لافتا في الصبر والنية الصالحة وفكرة الادخار من أجل مشروع خيري.

يعتقد أن المسجد بني في القرن السابع عشر على يد كيتشجي خير الدين أفندي أو أضنالي شاكر أفندي، وهما من التجار متوسطي الحال الذين تأثروا بعظمة مساجد السلاطين العثمانيين، فحلم أحدهما بأن يكون له مسجد صغير يخلد أثره. لكن الحلم كان أكبر من إمكانياته، فابتكر فكرة فريدة وهي أنه كلما هم بشراء شيء من الكماليات مثل الفاكهة أو اللحم أو الحلوى، كان يحرم نفسه منها ويقول: "سانكي ييدم"، أي "كأني أكلت"، ثم يضع ثمنها جانبا بدل إنفاقه.

بهذه العادة البسيطة، واصل الادخار على مدى نحو عشرين عاما، حتى جمع مبلغا كافيا لبناء مسجد صغير على قطعة أرض خصصت لهذا الغرض، وهكذا تحولت جملة "كأني أكلت" إلى اسم لمسجد وإلى قصة تروى عبر الأجيال. وبحسب ما يرويه إمام المسجد عبد الله كوتلولوغلو، فإن مسجد سانكي ييدم يقدم نموذجا حيا لقيمة الادخار والصبر. وأضاف: "إذا أنفقنا كل ما نكسبه اليوم، قد نحتاج إلى الآخرين غدا، من خلال التوفير بعبارة (سانكي ييدم)، ترك لنا مؤسس المسجد إرثا قيما، هذا المسجد يعلم الناس أهمية الصبر والادخار وترك أثر طيب في المجتمع".

على مر السنين، لم يسلم المسجد من الحوادث، فقد تعرض لدمار جزئي في حريق أونكاباني قبل الحرب العالمية الأولى، ثم أعيد بناؤه بين عامي 1959 و1961 على يد جمعية المعالم التركية بقيادة إسماعيل نيازي كورتولموش. وأعيد تشييد المسجد باستخدام الخرسانة المسلحة، مع قبة رئيسية وأربع قباب ربعية مكسوة بالرصاص، ويضم منبرا للخطبة ورواقا في الخلف، إضافة إلى مئذنة واحدة من الخرسانة المسلحة ذات شرفة واحدة، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 200 إلى 250 مصليا.

ورغم أن المباني السكنية باتت تحيط به من كل جانب، ما يزال المسجد يحتفظ بمكانته التاريخية والدينية في قلب حي الفاتح. على خلاف مساجد السلاطين العثمانيين الكبرى في إسطنبول، لا يتميز مسجد سانكي ييدم بفخامة المعمار أو ضخامة الحجم، لكنه مع ذلك أصبح محطة مفضلة للزوار والمهتمين بتاريخ المدينة، خاصة أولئك الذين يبحثون عن القصص الإنسانية المختبئة خلف الجدران القديمة.

كثير من سكان حي الفاتح يحرصون على رواية حكاية المسجد لزواره باعتبارها مثالا على قوة الإرادة والعمل المتدرج، فعادة بسيطة في الادخار تحولت إلى مسجد بقي أثره قرونا بعد وفاة صاحبه، وهكذا لم يعد المكان مجرد موضع للصلاة، بل تجسيدا حيا لثقافة العطاء والعمل الخيري التي ازدهرت في المجتمع العثماني، حيث سعى الأفراد -كل بقدر استطاعته- إلى ترك أثر دائم يخدم الناس ويخلد أسماءهم في ذاكرة المدينة.

قصة مسجد سانكي ييدم تأتي ضمن سياق أوسع لتاريخ المساجد في إسطنبول، إحدى أغنى مدن العالم بالمعالم الدينية والتاريخية، فقد شهدت المدينة، خصوصا في العهد العثماني، حركة عمرانية واسعة تمثلت في تشييد مئات المساجد التي تنوعت بين جوامع كبرى بناها السلاطين ورجال الدولة، ومساجد أصغر حجما شيدها التجار وأهالي الأحياء لخدمة مجتمعاتهم المحلية، وكانت بمثابة مراكز للحياة اليومية يجتمع فيها الناس للصلاة والتعلم وحل شؤونهم الاجتماعية.

في هذا المشهد المتنوع، تكتسب المساجد الصغيرة مثل مسجد "سانكي ييدم" قيمة خاصة، فهي تمثل مبادرات فردية متواضعة تحولت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الروحية والعمارة الحضرية للمدينة، وتروي قصص أشخاص عاديين تركوا وراءهم أثرا استثنائيا بجملة واحدة: "كأني أكلت".

تصميم و تطوير