كتائب حزب الله: من هو ابو علي العسكري سفير الظل الايراني في بغداد؟
كشفت تقارير صحفية عن تفاصيل جديدة حول شخصية "أبو علي العسكري"، الذي أعلنت "كتائب حزب الله" العراقية مقتله مؤخرا، موضحة أنه قد يكون منظومة دبلوماسية متكاملة تمثل "الحرس الثوري" الإيراني في بغداد، وليس مجرد شخص واحد.
أضافت التقارير أن العسكري، وهو حساب مستتر في منصة "إكس"، كان عنوانا لمجموعة من الرجال يتناوبون على وظيفة "سفير الظل"، الذي يطبق سياسات "الثورة الإسلامية" في بغداد، بما في ذلك فرض إيقاع صارم على آليات صنع القرار السياسي في البلاد.
أعلنت "الكتائب"، إحدى الجماعات المسلحة الموالية لطهران، مقتل العسكري دون الإشارة إلى المكان أو الزمان، ويعتقد أن هذا الإعلان جاء في أعقاب هجوم صاروخي على منزل في حي الكرادة وسط بغداد، حيث كان يعقد اجتماع "عملياتي" لأشخاص ذوي نفوذ كبير في الفصائل المسلحة، فيما أفادت مصادر أمنية بأنه ربما استهدف في أحد هجومين وقعا على عجلة ومنزل آخر شرقي العاصمة.
بين الحميداوي والعسكري
أظهر بيان حمل توقيع أحمد محسن فرج الحميداوي، زعيم "الكتائب"، أن العسكري كان "شريان التواصل بين الميادين العسكرية والمنصات الإعلامية".
أوضحت التقارير أن هذا الاسم الوهمي ضخ سلسلة من المواقف المتشددة التي ساهمت في تكريس سياسات متشددة في العراق، وغالبا ما كانت تعبر عن المواقف غير الرسمية لإيران، تلك التي لا يفصح عنها سفيرها الرسمي في بغداد، وكان هذا الحساب يحذف أو يجمد ويعاد إنشاؤه أكثر من مرة، لذلك تنقل اقتباساته غالبا عبر وسائل إعلام أو لقطات شاشة، وليس دائما من المصدر المباشر.
لغز العسكري المحير
بينت التقارير أن العسكري كان لغزا محيرا، إذ أحيط اسمه بسيل لم يتوقف من التكهنات حول شخصيته الحقيقية، وكان الباحث العراقي هشام الهاشمي، الذي قتل برصاص عنصر من "الكتائب"، قد صرح من قبل بأن العسكري هو النائب حسين مؤنس عن "حركة حقوق"، الجناح السياسي للكتائب في البرلمان العراقي، لكن كثيرين نفوا الصلة بين العسكري ومؤنس، واستقرت سرديات تفاعلت طوال السنوات الماضية على أن العسكري رجل غامض يقوم بأدوار عملياتية بالغة الحساسية، بينما كان يعرف نفسه في المنصة الرقمية بـ"المسؤول الأمني في كتائب حزب الله في العراق".
كشفت التسريبات المختلفة عن هوية الرجل، وقيل إنه أحد القتلى في الهجوم على منزل الكرادة، أبو علي العامري، الذي كان يشغل منصب المستشار الخاص ومعاون زعيم الكتائب، قبل أن تروج منصات مقربة من الفصائل المسلحة أن العسكري أحد أشقاء أبو حسين الحميداوي، فيما ذهبت تقديرات إلى أن "الكتائب" اختلقت قصة مقتله للتغطية على اغتيال عدد من قادة الفصائل من جراء هجمات دقيقة استهدفت مواقع مختلفة في بغداد منذ اندلاع الحرب على إيران.
أشارت التقارير إلى أن "أبو علي العسكري" قد يكون مجموعة من الأشخاص، وأن تعدد الهويات كان جزءا من استراتيجية إعلامية اتبعتها "الكتائب" في محاكاة لأسلوب "الحرس الثوري" في إنتاج التخويف عبر الغموض، ما يرجح أيضا أن نبأ مقتله جزء من التورية عن حدث داخلي مهم، إذ يمكن التكتم على مقتل "حساب وهمي".
أوضحت مصادر موثوقة أن الشخص أو مجموعة الأشخاص الذين عملوا في حساب "أبو علي العسكري" هم، على الأرجح، مسؤول أمني في "الكتائب"، وعضو مجلس الشورى، ومستشار عسكري حظي بتدريب عال من "الحرس الثوري" لتمكينه من صياغة المقاربات الميدانية والسياسية، وفي جميع الأحوال فإن العسكري واحد من أهم الاستثمارات السياسية لـ"الحرس الثوري" في بغداد.
العسكري ووحدة القياس الإيرانية
بينت التقارير أنه لن يكون "أبو علي العسكري" حتى اسما وهميا يختفي خلفه أشخاص، بل هو عنوان وظيفي لإحدى أخطر المهام الاستراتيجية لإيران في العراق، وبالنظر إلى تأثيره، سيبدو الأداة الفعالة التي كانت تتكفل بتوجيه العملية السياسية كي ترسو دائما عند المقاربة الإيرانية في العراق.
أشارت التقارير إلى أنه قبل إعلان مقتله بأيام، كان العسكري قد كتب في تدوينة عبر حسابه أن "تعيين رئيس الحكومة المقبلة لن يتم دون بصمة إبهام المقاومة الإسلامية"، وبينما كان "الإطار التنسيقي" عاجزا عن الخروج من مأزق ترشيح نوري المالكي المرفوض، ينظر إلى موقف العسكري الحاد كضابط إيقاع للسلوك السياسي الشيعي في البلاد، بل وحدة قياس للرؤية الإيرانية التي لا يمكن تجاوزها، بما في ذلك تكليف شخصية تباركها طهران أولا لتشكيل الحكومة.
أضافت التقارير أن العسكري كان وحدة قياس الهجوم على حكومة مصطفى الكاظمي، ومن ثم تخفيف اللهجة مع حكومة محمد شياع السوداني التي ولدت بعد اشتباكات عنيفة بين أنصار الصدر وقوات أمنية في المنطقة الخضراء، وكان قد بارك تشكيل الحكومة الحالية في وقت مبكر.
خلال السنوات الماضية، انشغل العسكري في التعليق على كل قرار أو موقف داخلي، وكان معارضا لمد أنبوب النفط العراقي الأردني.
أكدت التقارير أنه بالقوة ذاتها، كان العسكري قد أنشأ مسارا لإجهاض حكومة الأغلبية التي أراد مقتدى الصدر تشكيلها بعد انتخابات 2021، ووصف المشروع بأنه "إقصائي لسلاح الفصائل، متضامن مع الرؤية الأميركية".
بالعودة إلى عام 2019، كانت عمليات قتل صريحة نفذت ضد متظاهرين طالبوا بالتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد، نسبت إلى طرف ثالث، بينما كان العسكري يصفهم بالمندسين الذين ينفذون أجندات خارجية مشبوهة، في لهجة طالما وصفت بأنها "تنكيل" بمئات من الشبان المحتجين.
بهذا المعنى، قد لا يكون مهما التعرف على الهوية الحقيقية للعسكري، أيا كان اسمه، بل اكتشاف مساحة التأثير التي تمكنت "الكتائب" من تكريسها خلال السنوات الماضية.
أوضحت التقارير أن وحدة قياس "أبو علي العسكري" كانت تشمل أيضا وضع قواعد اشتباك ورسم حدود الأوزان السياسية للاعبين المحليين من السنة والكرد، والتلويح بالعصا تجاه المقاربات العراقية مع الخارج، بما في ذلك العلاقة مع المحيط العربي والخليجي والدولي، وكان العسكري حذرا في مرحلة ما من "إعادة دمج سوريا وتأهيل قيادتها الجديدة ضمن المجتمع الدولي".
العسكري سفير الظل الإيراني
في أعقاب استفتاء حق تقرير المصير في إقليم كردستان، عبر العسكري عن موقف متشدد من مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي، ومنح ضوءا أخضر غير رسمي لسلوك عقابي تجاه الكرد، وعد الفكرة "مشروع تقسيم تدعمه أميركا وإسرائيل".
بالنسبة للعسكري، فإن وصول محمد الحلبوسي إلى رئاسة البرلمان كان نتاجا لتوازنات غير وطنية، في تسوية مدعومة من الخارج، وكان واضحا أن زعيم حزب "تقدم" السني دفع ثمن الرؤية الفصائلية التي كانت تفيد، وفق العسكري، بـ"تقاطع الحلبوسي مع مشروع خارجي مشبوه".
في يناير، كتب العسكري، بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، أن "القوات الأميركية في العراق أصبحت أهدافا مشروعة"، وبعد سنوات، تبدو جميع هذه المواقف في ذروة حرب مفتوحة على مسرح العراق كأنها صدرت عن "سفارة ظل" لإيران، تعيد صياغة المواقف الحادة التي يؤخذ بها حرفيا، من دون أن ينطق بها سفراء رسميون.






