اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ندوة في "شومان" تستذكر العلامة الأردني روكس العزيزي

{title}
أخبار دقيقة -

استذكرت ندوة نظمها منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، اليوم السبت، الكاتب والمؤرخ الأردني الكبير روكس بن زائد العزيزي، بحضور ومشاركة نخبة من الأكاديميين والكتاب والمعنيين.
وتضمنت الندوة التي عقدت بمقر المؤسسة بجبل عمان، وجاءت بعنوان "روكس العزيزي: الريادة والتنوير"، مجموعة من الجلسات التي تناولت سيرة وإنجازات العزيزي.
وقالت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان فالنتينا قسيسية في كلمتها خلال أعمال الندوة، "نحتفي اليوم بسيرة روكس بن زائد العزيزي، لا  لمجرد استذكار سيرته، وإنما لإعادة قراءة منجزه، واكتشاف ما تكتنزه من أسئلة وأفكار حتى اليوم، قد تكون قادرة على إضاءة حاضرنا ومستقبلنا".
وأضافت: "إذا أردنا أن نلخص طبيعة نتاج العزيزي بكلمة واحدة، فإنها ستكون "التنوع". فقد كان شاعرا، وقاصا، ومؤرخا، ومحققا، وناقدا، وباحثا في التراث الشعبي، ومؤرخا للأدب، وكاتبا في الفلسفة وحقوق الإنسان، وصاحب سيرة وتأملات، كما امتد أثره إلى الدراما التلفزيونية من خلال أعمال استلهمت مؤلفاته".
وزادت قسيسية "لقد تجاوز عدد كتبه الثمانين، وهو رقم يعكس اتساع الأفق المعرفي الذي اتسم به، والإيمان بأن الثقافة مشروع متكامل، تتقاطع فيه اللغة والتاريخ والأدب والإنسان"، مشيرة إلى أن القيمة الكبرى في مشروع العزيزي أنه أدرك مبكرا أن الأمم لا تبنى بالسياسة وحدها، وإنما بحفظ ذاكرتها أيضا. لذلك انهمك بتوثيق الحكايات الشعبية، والأمثال، والأغاني، والشعر البدوي، والعادات والتقاليد، وسجل تفاصيل الحياة الأردنية في زمن كانت كثير من عناصرها مهددة بالنسيان.
وبينت أن العزيزي لم يكن باحثا منعزلا عن قضايا مجتمعه، فقد كان حاضرا في الحياة العامة؛ معلما وصحفيا، ورئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين، وعضوا فاعلا في مؤسسات ثقافية وحقوقية عديدة، ما يعكس إيمانه بأن المثقف الحقيقي لا يكتفي بالإنتاج المعرفي، بل يشارك في بناء المجال العام والدفاع عن قيم الإنسان والحرية والمعرفة.
الجلسة الأولى في الندوة والتي أدارها الدكتور زياد الزعبي وحملت عنوان "الزيزي والشعر البدوي والسرد"، تحدث فيها  كل من الدكتور عطالله الحجايا وجاءت ورقته بعنوان "العزيزي ومدونة الشعر والبدوي"، والدكتور يوسف حمدان وحملت ورقته عنوان "الشفاهية وإشكالية الأصالة: موقف العزيزي من قصيدة الطين لإيليا أبو ماضي، والدكتور فهمي الزعبي وكانت ورقته بعنوان " مقاربة أنثروبولوجية لسردية السالفة في التعاليل البدوية: حكايات معلمه التراث الأردني لروكي بن زائد العزيزي أنموذجا"، والدكتور زياد أبو لبن وحملت ورقته عنوان "من المعجم إلى الحكاية: تجليات السرد التراثي في "قاموس العادات واللهجات والأوابد الأردنية" للعلامة روكس بن زائد العزيزي".
وقال المتحدثون في أوراقهم إن العزيزي لم يتعامل مع التراث بوصفه مادة للماضي، وإنما بوصفه عالمًا حيًّا يحتاج إلى إعادة اكتشاف. فقد رأى أن الكلمات التي ينطق بها الناس، والأمثال التي تتردد على ألسنتهم، والحكايات التي تنتقل في مجالسهم، تحمل تاريخًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن تاريخ الأحداث الكبرى. ومن هنا جاء مشروعه الثقافي بوصفه محاولة لإنقاذ صوت الإنسان العادي، ذلك الإنسان الذي قد يغيب عن صفحات التاريخ السياسي، لكنه حاضر بقوة في ذاكرة المجتمع.
وأشاروا إلى أن أهمية تجربة العزيزي لا تكمن فقط في كثرة مؤلفاته أو تنوع اهتماماته، بل في الطريقة التي نظر بها إلى المعرفة؛ فقد جمع بين الحس اللغوي والرؤية التاريخية والوعي الأدبي، وجعل من التراث مجالًا تتداخل فيه هذه الحقول جميعًا. فاللغة عنده ليست ألفاظًا منفصلة عن أصحابها، وإنما مرآة لحياتهم، والتاريخ ليس مجرد تواريخ وأحداث، وإنما قصة الإنسان في مكانه وزمنه، والأدب ليس بعيدًا عن الحياة اليومية، بل يتغذى من تفاصيلها الصغيرة.
وبينوا أن اللغة كانت محورًا أساسيًا في مشروع العزيزي الثقافي، لأنه أدرك أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، وإنما هي مستودع للخبرة الإنسانية. فكل مجتمع يترك أثره في لغته، وكل كلمة تحمل تاريخًا من الاستعمالات والدلالات المرتبطة بحياة الناس.
وتحدث في الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور زهير توفيق وحملت عنوان "الفكر النقدي عند العزيزي"، كل من الدكتور عيسى برهومة بورقة عنوانها "روكس العزيزي عميد التراث الأردني ناقدا"، والدكتورة أحلام مسعد وحملت ورقتها عنوان "فريسة أبي ماضي بين السرقة والتحولات"، و الدكتورة إيمان شلبي وجاءت ورقتها بعنوان "الوعي المقارن وأفق المثاقفة في نتاج روكس العزيزي: قراءة أثنوغرافية نقدية"، والدكتور أحمد الجوارنة  وحملت ورقته عنوان "روكس بن زائد العزيزي بين النقد التراثي والتدوين التاريخي: دراسة  تحليلية في المنهج وبناء الذاكرة الأردنية" .
وبين المتحدثون في أوراق عملهم أن روكس العُزيزي كان حارسًا لذاكرة وطن، جامعًا لعُرى التراث وراصدًا لنبض المجتمع، ولعل تنشأته بين كتب الدير وأحاديث البوادي شكلت مدار نظره، فخرج من تجاربه مع الضرائب والجوع ملهَمًا للنقد الاجتماعي، ومناصرًا للفقراء، وجمع لهجات الناس وألّف معجمًا يضيء ألفاظًا منسية، ومضى في تقويم المعاجم بمنهج علمي يدعو إلى تعاون المؤسسات اللغوية وتجويد طرق التعريب. 
وأكدوا أن روكس العزيزي يعد من الأوائل الذين اهتموا بجمع الموروث الشعبي في الأردن ودراسته وتوثيقه. فقد ظل لسنوات طويلة (ما بين عام 1922 و1938) يجمع ويكتب كل ما يتعلق بحياة البادية.  ومعلمته تمثل نموذجا مهما على عمله ذاك. فقد دون فيها ما جمعه خلال ستة عشر عاما.
وقالوا "لقد هيأت له معرفته بالبادية وأدبها الكشف عن أصل قصيدة ايليا أبوماضي الطين، الذي تمثله قصيدة الشاعر البدوي على الرميثي. ورأى العزيزي أن أبوماضي سطا، أو سرق قصيدة الرميثي، وهو ما يدل عليه بعنف عنوان كتيبه " فريسة أبوماضي".  وقد جعل هذا الكشف العزيزي يلح على فعل أبوماضي. فقد تحدث العزيزي بدءا في محطة الشرق الأدنى في منتصف الخمسينيات عن أثر البادية الأردنية في الأدب المعاصر، وبرز في حديثه سطو أبوماضي في قصيدته الطين على قصيدة الرميثي".
وفي الجلسة الثالثة التي جاءت بعنوان "القضايا اللغوية والإبداعية عند العزيزي" وأدارها الكاتب مفلح العدوان، تحدث  فيها كل من الدكتور همام غصيب حيث جاءت ورقته بعنوان "روكس بن زائد العزيزي (أبو عادل): المجمعي الأصيل والشيخ النبيل"، والدكتور  عبدالكريم جرادات وجاءت ورقته بعنوان "الألفاظ الفارسية في معلمة التراث وقاموس العادات لروكس بن زائد العزيزي: دراسة تأثيلية"، والدكتورة صبحة علقم وحملت ورقتها عنوان " الوعي المسرحي عند روكس بن زائد العزيزي".
ونوه المتحدثون إلى أن العزيزي كان يُجيدُ فنّ الإصغاءِ إلى درجةٍ استثنائيّة. ولعلّ ذلك كان مَظهرًا من مظاهرِ صبرِهِ الجميل. وكان لبعضِ الكلماتِ وقْعُ السحْرِ عليه؛ فكأنّها تَقْدحُ زِنادَ سِلسلةٍ من العمليّاتِ أو السيْروراتِ الذهنيّة، تُعيدُهُ إلى مخزونِه الـثرّ من أسرارِ العربيّةِ والمفرداتِ البدويّةِ ومن الطرائفِ واللطائف. 
وأشاروا إلى أن إنسانيّتُهُ كانت تشعّ على الدوام؛ فهاجسُهُ الإنسانُ وكرامةُ الإنسان وحقوقُ الإنسان وواجباتُ الإنسان. وكان يذوبُ عَطفًا وحَنانًا على الأطفالِ والنساء، وعلى سائرِ الهَشّين والمُهمّشين والمُعذّبين. 
 الجلسة الرابعة التي أدارها الدكتور مصلح النجار وجاءت بعنوان "الهوية الأردنية في نصوص العزيزي"، تحدث فيها كل من الدكتور زهير العبيدات بورقة عمل عنونها بـ "الذاكرة في وعي الكاتب روكس العزيزي"، والدكتور عليان الجالودي وجاءت ورقته بعنوان "معلمة التراث الأردني: عرض ونقد"، والدكتور معاذ الزعبي وحملت ورقته عنوان "روكس العزيزي وصناعة الذاكرة الأردنية"، كذلك الدكتور هشام مقدادي وجاءت ورقته بعنوان "جهود روكس بن زائد العزيزي في توثيق الهوية الأردنية". 
وأشاروا المتحدثون، إلى أن "معلمة التراث الأردني" عمل غير مسبوق في المكتبة الأردنية، وللعزيزي فضل الريادة فيه، نشر في (5) مجلدات، ومجموع صفحاته (2869) صفحة، أهداه إلى المغفور له الملك الحسين بن طلال، وتصدت وزارة الثقافة والشباب، وسلطة السياحة آنذاك لنشره بين عامي 1981-1986م.
وأكدوا أنه يحسب للعزيزي في المعلمة ضخامة المنجز الموسوعي الذي نهض في تأليفه، والذي استغرق تألفيه له – على ما يذكر هو – أزيد من الستون عاماً (1922-1984م)، وهو جهد فردي تعجز مؤسسات ومراكز دراسات عن النهوض به، وما تكبده من جهد البحث والتحري وجولاته الميدانية بين مضارب البدو وقرى الفلاحين واللقاءات التي أجراها حتى جمع هذا التراث الشفوي على امتداد الأردن من شماله إلى جنوبه وشرقه إلى غربه.
وبينوا أن تجربة العلامة والباحث الأردني روكس بن زائد العزيزي (1903-2004) تعد الانعطافة التأسيسية الأهم والأبرز في المشهد الثقافي الأردني؛ حيث نذر عقودًا طويلة من حياته لميدان الجمع والتوثيق والتحليل الفيلولوجي المقارن ، مشكلاً جسرًا معجميًا نقديًا بين الشفاهية والكتابة، وبين البداوة والريف والمدينة، وبين الفصحى والتعبيرات اللهجية المحلية، وبين التراث المحلي ضمن إطاره الداخلي والأفق الإنساني الأدبي المقارن.
ونوهوا إلى أن تجرية العزيزي تمثل رصيدًا غنيًا للقراءات الأكاديمية؛ لما يمثله من موقع تأسيسي رائد في ميدان الدراسات التراثية في الأردن. وتتجه هذه القراءة إلى سبر البعد السردي والنقدي والمقارن في معلمة للتراث الأردني بوصفها نصًا سرديًا وثقافيًا ينهض بتأصيل الذاكرة الجمعية، واللسان المحلي، والهوية الوطنية الأردنية عبر التحليل المباشر لمتنها التوثيقي.
وفي نهاية الندوة قالت حفيدة العزيزي سمر العزيزي في كلمتها: "اليوم وبعد مرور أثنين وعشرين عاما على رحيل جدي العلامة والأديب روكس بن زائد العزيزي، ها هي مؤسسة عبد الحميد شومان تحيي ذكراه العطرة بجمع ثلة من علماء الأدب والفكر لإعادة إحياء تراث "عميد الأدب الأردني" وهو اللقب الرقيع الذي تفضل بمنحه أياه المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه". 
وأضافت أن روكس العزيزي كان ذلك الهرم الضخم والدوحة الباسقة، متواضعا، عفيف القلم واليد واللسان، وكان النقد لديه علما دقيقا ومعرفة واسعة وثقافة تمتد في كل اتجاه.
وقالت، أمتدت قامته العلمية لتشمل عضوية العديد من المجامع العلمية في الأردن والعالم العربي والغرب والمهجر، كما ربطته علاقات أدبية متينة بفيلسوف المهجر ميخائيل نعمه وصاحب جريدة "السائح" عبد المسيح حداد، والمستشرق (م .ج كلارس) الذي وصف أعماله بالمرجع الخالد، إلى جانب صداقاته العميقة مع أكاديميين وحقوقيين عالميين. 
ولد روكس بن زائد بن سليمان العُزيزي في مادبا عام 1903، درس المرحلة الابتدائية فقط في مدرسة اللاتين في مادبا. بدأ حياته العملية معلماً للغة العربية في مدرسة اللاتين في مادبا عام 1918 وترك التدريس عام 1942 ثم عمل أستاذاً للأدب العربي في كلية تراسانته في القدس، حتى عام 1948 حيث عاد وعمل في التدريس حتى عام 1974.
كان أول مراسل صحفي في الأردن عندما اعتمدته جريدة الأحوال البيروتية مراسلاً لها، انتخب عام 1976 رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين، وهو ممثل الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن منذ عام 1956، نال من التكريم ما لم ينله أديب أردني آخر تقديراً له على جهوده العظيمة في البحوث التراثية والدراسات، نال عضوية شرف لمجمع اللغة العربية الأردني، حصل على وسام التربية والتعليم ووسام الصليب الأبيض الذي لا يُمنح إلا لخاصة الخاصة، ومنح شهادة يوبيل جلالة الملك حسين الفضي التكريمية في الأدب عام 1977، ونال وثيقة التقدير الذاتية على أعماله المتميزة عام 1982، كتبت جوليا الربضي رسالة ماجستير من الجامعة اللبنانية عن رسالتها (روكس بن زائد العزيزي حياته وآثاره سنة 1993) وأعد د. عبد الله رشيد رسالة دكتوراه من الجامعة اليسوعية موضوعها (روكس بن زائد العزيزي حياته وآثاره) عام 1996.
له العشرات من المؤلفات بالإضافة إلى عدد كبير من المسلسلات والمسرحيات المعروضة في الأردن، والعديد من الدول العربية.
توفي العزيزي في عمان بتاريخ 21/12/2004 عن عمر يناهز الـ 101عاما، ودفن في بلدته مادبا.
تصميم و تطوير