تحول جذري في خريطة الاستثمار العالمي: الامن الاقتصادي يتصدر المشهد
كشفت تقارير الاستثمار الدولية الحديثة عن تغير جوهري في قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية، حيث تخلت الشركات الكبرى عن معايير الكفاءة التقليدية التي كانت تعتمد على رخص الايدي العاملة وتكلفة الانتاج لصالح اولويات الامن الاستراتيجي والجيوسياسي. واظهرت البيانات ان العالم يمر بمرحلة انتقالية تتقدم فيها اعتبارات الامن التكنولوجي وسلاسل الامداد على منطق السوق البسيط، مما ادى الى اعادة رسم خارطة التدفقات المالية بشكل غير مسبوق.
واضاف التقرير الصادر عن مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية اونكتاد ان تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر شهدت ارتفاعا بنسبة 6% لتصل الى 1.6 تريليون دولار، موضحا ان هذا الرقم يخفي تفاوتا كبيرا بين القطاعات. وبين التقرير ان النمو الحالي ليس انتعاشا شاملا، بل هو نمو مضلل يتركز في مشروعات عملاقة محدودة داخل اقتصادات وقطاعات تحظى باولوية استراتيجية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين العالمي.
وقال الخبراء ان توجهات رؤوس الاموال اصبحت تتركز بشكل مكثف في قطاعات حيوية مثل اشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والمعادن النادرة، والطاقة المتجددة. واشاروا الى ان نصف الاستثمارات الجديدة المعلنة خلال الفترة الاخيرة انصبت في هذه المجالات، بينما شهدت قطاعات التصنيع التقليدي تباطؤا ملحوظا، مما يعكس سباقا محموما للسيطرة على التقنيات التي تحدد موازين القوى في المستقبل.
واوضح التقرير ان الشركات متعددة الجنسيات باتت تضع الامن القومي والسياسات الصناعية والحوافز الحكومية في مقدمة اجندتها، مبينا ان الحكومات اصبحت لاعبا رئيسيا في توجيه دفة الاستثمارات من خلال حزم الدعم والاعفاءات الجمركية. واكد ان رأس المال لم يعد يتحرك بحرية مطلقة، بل اصبح رهينة للاولويات الجيوسياسية والتنافس بين القوى الكبرى.
وكشفت الارقام ان الاقتصادات المتقدمة استحوذت على النصيب الاكبر من الارتفاع بنسبة 11%، في حين بقيت الاقتصادات النامية تواجه تحديات صعبة في جذب الاستثمار. واشار التقرير الى ان الدول النامية لم تعد قادرة على المنافسة بالاعتماد على انخفاض التكاليف فقط، بل باتت مطالبة بتوفير بنية تحتية متطورة ومهارات بشرية متقدمة.
واضاف التقرير ان منطقة الشرق الاوسط تمتلك فرصة استثنائية للتحول الى مركز عالمي للصناعات اللوجستية والتكنولوجية، مستفيدة من برامج التنويع الاقتصادي والاستثمارات في الطاقة والهيدروجين. وخلص التقرير الى ان نجاح الدول في المرحلة القادمة يعتمد على قدرتها على بناء قاعدة انتاجية قوية تضمن لها مكانا في النظام الاستثماري الجديد الذي لم يعد يعترف الا بالدول الاكثر قدرة على تأمين سلاسل الامداد وتوفير الطاقة الموثوقة.
