الذكاء الاصطناعي يغير مشهد الانترنت وينهي عصر المتصفحات التقليدية

{title}
أخبار دقيقة -

في صباح يوم عادي، يستيقظ المستخدم ويطلب من وكيل الذكاء الاصطناعي حجز موعد مع طبيب الأسنان، وشراء حذاء يناسب ميزانيته مع مقارنة شاملة بين الخيارات المتاحة. كما يحصل على ملخص شامل لأبرز الأخبار التقنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

خلال دقائق معدودة، يتلقى تأكيد الحجز وشراء الحذاء، بالإضافة إلى ملخص منظم للأخبار، وكل ذلك دون الحاجة إلى فتح صفحة ويب أو النقر على روابط أو مشاهدة إعلانات تجارية أو التنقل بين عشرات علامات التبويب. هذا السيناريو لم يعد خيالاً علمياً، بل أصبح واقعاً يعيد تشكيل علاقتنا بالإنترنت ويشير إلى نهاية عصر التصفح التقليدي كما عرفناه.

لأكثر من ثلاثة عقود، كانت المتصفحات، بدءاً من "موزايك" عام 1993 وصولاً إلى "غوغل كروم" الذي يستخدمه اليوم نحو ثلاثة مليارات شخص، البوابة الرئيسية للوصول إلى الإنترنت. وقد اقتصر دور المتصفح على كونه وسيطاً بين المستخدم وشبكة الإنترنت، حيث كان على المستخدم إدخال الاستعلام، وتصفح النتائج، والنقر على الروابط، وقراءة المقالات كاملة، ومقارنة الأسعار يدوياً، وملء النماذج بنفسه.

اعتمد هذا النموذج على التفاعل البشري المباشر، مما جعل تجربة الإنترنت استكشافية بشكل كبير، ولكنها أيضاً كانت تستنزف الوقت والجهد الذهني. اليوم، نشهد انتقالاً من عصر التصفح اليدوي إلى عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين ينفذون المهام ويتحكمون بالمؤشر وينقرون على الأزرار ويدخلون النصوص ويتنقلون بين المواقع بشكل مستقل.

ظهرت في عام 2025 فئة جديدة من المتصفحات تُعرف باسم "المتصفحات الوكيلية"، مثل "شات جي بي تي أطلس" من "أوبن إيه آي" و"كوميت" من "بيربليكستي". هذه المتصفحات لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تقوم أيضاً بتخطيط وتنفيذ المهام المعقدة تلقائياً، وذلك عبر خريطة الإجراءات التي تحدد كل خطوة قبل تنفيذها.

يشمل نطاق عمل الوكلاء مجالات الحياة اليومية، مثل التسوق والسفر والإعلام والصحة. حيث يقوم الوكيل بالبحث، والمقارنة، والشراء، وحجز الرحلات والفنادق، وإعداد خطط متكاملة، وقراءة عشرات المقالات وتلخيصها وفق اهتمامات المستخدم، بالإضافة إلى حجز المواعيد الطبية ومتابعة التذكيرات الدوائية.

بحسب تقرير "هيومان سكيورتي"، فإن نشاط الوكلاء سجل ارتفاعاً بنسبة 7851% خلال عام واحد. وقد أبدى ما يقارب ثلاثة أرباع المستهلكين استعدادهم للسماح لمتصفحات ذكية باتخاذ قرارات الشراء نيابة عنهم.

في اختبارات حديثة، نجحت "المتصفحات الوكيلية" في حجز رحلات طيران كاملة تشمل انتقالات وفنادق، وشراء منتجات من "أمازون" ومواقع تجارية أخرى، وإدارة جداول زمنية يومية تشمل اجتماعات عمل ومواعيد شخصية.

تعد "نماذج الإجراءات الكبيرة" (LAMs) بمثابة القفزة التقنية التي تنقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التفكير إلى مرحلة التنفيذ. بينما تبرع "النماذج اللغوية الكبيرة" (LLMs) في التنبؤ بالكلمة التالية بناءً على سياق لغوي وتقديم المعلومات أو النصائح، فإن "نماذج الإجراءات الكبيرة" مصممة لفهم بنية واجهات المستخدم، وتمتلك صلاحية التحكم بالمؤشر، والنقر، وإدخال البيانات، والتنقل بين المواقع المختلفة بشكل مستقل.

كما تتميز "نماذج الإجراءات الكبيرة" بقدرتها على رسم خريطة إجراءات وتقسيم المهمة إلى خطوات منطقية متسلسلة، وتنفيذ كل خطوة مع التأكد من تفضيلات المستخدم قبل الانتقال للخطوة التالية. بينما يحتاج البشر إلى واجهة رسومية للتفاعل مع الموقع، فإن "نماذج الإجراءات الكبيرة" تتعامل مع المواقع كبيانات، بحيث تنجز المهام بسرعة دون الحاجة لتحميل الصور أو العناصر البصرية، كما أنها قادرة على اتخاذ قرارات لحظية بناءً على المتغيرات.

هذا الانتقال من النصيحة إلى التنفيذ هو ما يجعل نموذج الويب التقليدي القائم على الزيارات والإعلانات في مواجهة أزمة حقيقية. تعتمد غالبية المواقع على إيرادات الإعلانات المبنية على عدد الزيارات والانطباعات والنقرات والبيانات السلوكية والإحالات. وكان التنافس على الظهور في الصفحة الأولى لنتائج بحث محرك "غوغل" أمرًا حيويًا لنجاح المواقع.

لكن ظهور الوكلاء غير المعادلة، لأنهم يقرأون المقال كاملاً أو يشترون المنتج دون زيارة المستخدم للموقع أو مشاهدة الإعلانات أو النقر على الروابط، مما أدى إلى تراجع إحالات "غوغل" إلى المواقع بمقدار الثلث خلال عام واحد. كما ارتبطت ميزة "النبذات باستخدام الذكاء الاصطناعي" بانخفاض قدره 25% في الزيارات المحالة من محرك بحث "غوغل".

على سبيل المثال، شهد موقع "بيزنس إنسايدر" انخفاضاً في البحث العضوي بنسبة 55%، مما اضطره إلى تسريح 21% من موظفيه. كما فقد كل من "فوربس" و"هافينغتون بوست" نحو نصف الزيارات القادمة من محركات البحث، ولم تسلم حتى "نيويورك تايمز"، حيث انخفضت حصة البحث العضوي من إجمالي زياراتها من 44% إلى 36.5%.

تظهر المعركة القانونية الدائرة بين "أمازون" و"بيربليكستي" عمق هذا التغيير، حيث أصدرت المحكمة في سابقة قانونية أمراً قضائياً مؤقتاً يحظر على "كوميت" الدخول إلى الأقسام المحمية بكلمة مرور لإجراء عمليات الشراء نيابة عن المستخدمين. ورأت المحكمة أن "كوميت" دخل الحسابات بموافقة المستخدمين، لكن دون الحصول على إذن صريح من "أمازون"، مما أثار تساؤلات قانونية حول حقوق المستخدم وحقوق المنصات.

تقدر عائدات "أمازون" الإعلانية بنحو 68.6 مليار دولار سنوياً، مما يجعل الإعلانات التي لا يراها الوكيل خسارة فادحة لعملاقة التجارة الإلكترونية. في الوقت نفسه، يلجأ بعض الناشرين إلى إطلاق منتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمواجهة الخطر الذي يفرضه الوكلاء.

أمام هذا الواقع، لجأ بعض الناشرين إلى الابتكار. حيث أطلقت "واشنطن بوست" منتجاً صوتياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي قابلاً للتخصيص وفق تفضيلات المستمع، كما أطلقت "تايم" وكيلاً ذكياً يتيح للقراء التفاعل مع محتوى المجلة بلغات متعددة. بينما تبني "أمازون" وكلاء ذكاء اصطناعي مثل "روفوس" الذي حقق ما يقارب 12 مليار دولار من المبيعات الإضافية السنوية عام 2025.

تفيد بيانات "أدوبي أناليتكس" بأن الزيارات القادمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى مواقع التجزئة ارتفعت بمقدار 1300% خلال موسم تخفيضات عام 2024 مقارنة بالعام السابق. بالإضافة إلى ذلك، هناك فرص جديدة، مثل اتفاقيات ترخيص المحتوى مع شركات الذكاء الاصطناعي وتطوير محتوى مخصص للوكلاء عبر البيانات المنظمة ونماذج الاشتراك المباشر.

يتداول الحديث عن النماذج الإعلانية الجديدة "إعلانات الوكيل" كبديل للإعلانات التقليدية، حيث تدمج الخيارات التجارية مباشرة داخل عملية التخطيط التي ينفذها الذكاء الاصطناعي. ويتوقع تقرير "غارتنر" انخفاض حجم البحث التقليدي بنسبة 25% بحلول نهاية عام 2026 جراء صعود الوكلاء ومحركات الإجابة الذكية، وهو مؤشر واضح على أن أزمة الزيارات لم تبلغ ذروتها بعد.

ظهرت مصطلحات "تحسين محركات البحث التوليدية" و"البحث القائم على الإجابات" و"التحسين من أجل الذكاء الاصطناعي" بصفتها التطور الطبيعي للمصطلح التقليدي "تحسين محركات البحث"، حيث تركز هذه المصطلحات على تحسين صياغة المحتوى بشكل مباشر لكي يتوافق مع وكلاء الذكاء الاصطناعي من خلال البيانات المنظمة والقوائم المخصصة والبيانات الوصفية الدقيقة.

ورغم المزايا الكبيرة، لا يمكن الحديث عن نهاية عصر المتصفحات التقليدية دون التطرق للمخاطر، مثل الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، والمسؤولية القانونية عن الأخطاء، والتحيزات في تلخيص الأخبار والمعلومات، وتقليل التنوع الإعلامي والثقافي. على صعيد الخصوصية، وثقت الأبحاث نجاح هجمات "حقن التوجيهات" ضد "المتصفحات الوكيلية"، حيث يتم استغلال محتوى المواقع الضارة للسيطرة على المتصفح.

من جهة أخرى، فإن الأطر القانونية القائمة لا تزال بعيدة عن مواكبة التطور، كما أن الثمن الذي يدفع مقابل الراحة ليس رخيصاً، إذ تحتفظ الشركات المطورة للوكلاء بالمدخلات والمخرجات كاملة. ولا يختلف المشهد في الشرق الأوسط عن السياق العالمي، إذ تتوقع "ديلويت" تسجيل نمو كبير في تبني الذكاء الاصطناعي في مجال التسوق الرقمي. مما يجعل تداعيات هذا التغيير على المنصات العربية ووسائل الإعلام الرقمية العربية مسألة وقت لا أكثر.

ختاماً، فإن عصر التصفح اليدوي يتآكل تدريجياً ليحل محله عصر الوكلاء القادرين على الإدراك والتخطيط والتنفيذ. مما قد ينهي حاجتنا للتصفح، ويضع نموذج الويب التقليدي في مواجهة أزمة وجودية. ولكن من يضمن ألا نعيش داخل فقاعة معرفية مغلقة، ومن يمول الصحافة المستقلة دون أن نشاهد الإعلانات؟

تصميم و تطوير