مايك هاكابي يعلن “أحقية إسرائيل’… هل يتحول القانون الدولي إلى حبر على ورق؟

{title}
أخبار دقيقة -

كتب ـ عدنان نصّار 

لم تكن تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن "أحقية إسرائيل” بالسيطرة على الشرق الأوسط/الوطن العربي بما في ذلك الضفة الغربية”، زلة لسان عابرة يمكن تجاوزها ببيان توضيحي أو تغريدة تصحيح. كانت، في جوهرها، إعلانًا سياسيًا صريحًا يضرب عرض الحائط بمنظومة القانون الدولي، ويعيد إنتاج خطاب الهيمنة بلغة دبلوماسية يُفترض أنها أكثر اتزانًا ومسؤولية.

الدبلوماسية ليست منبرًا لإعادة تعريف الجغرافيا وفق ميزان القوة، ولا منصة لتوزيع "الحقوق” على حساب شعوب ما زالت تعيش تحت الاحتلال. حين يتحدث سفير دولة عظمى بهذه اللغة، فإنه لا يعبّر عن رأي شخصي معزول، بل عن مناخ سياسي يتساهل مع سياسات الأمر الواقع، حتى لو كان الثمن تقويض ما تبقى من ثقة بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

 

 

 

الضفة الغربية ليست أرضًا "مختلفًا على توصيفها”، بل أرض محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967، الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما أن اتفاقيات جنيف تحظر نقل السكان إلى الأراضي المحتلة. هذه ليست شعارات سياسية عاطفية، بل نصوص قانونية تأسس عليها النظام الدولي بعد حروب مدمرة، حتى لا يتحول العالم إلى ساحة مفتوحة لمنطق الغلبة.

ما قاله مايك هاكابي يعيدنا إلى منطق "المنتصر يكتب التاريخ”، لكنه يتجاهل حقيقة أن الشعوب تكتب حاضرها أيضًا، وأن الاستقرار لا يُفرض بالتصريحات، بل يُبنى على العدالة. إن شرعنة السيطرة بالقوة ليست سوى وصفة لإدامة الصراع، لا لحلّه، وإعادة إنتاج دورة العنف بدل كسرها.

في هذا السياق، جاء موقف وزارة الخارجية الأردنية واضحًا وحازمًا، إذ أدانت، على لسان ناطقها الرسمي، تلك التصريحات، مؤكدة رفض المملكة لأي مساس بالحقوق الفلسطينية أو محاولات تقويض حل الدولتين. هذا الموقف لا ينطلق من اعتبارات سياسية آنية، بل من ثوابت أردنية راسخة: أن الضفة الغربية أرض محتلة، وأن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم.

الأردن، بحكم الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا، ليس مراقبًا محايدًا في هذا الملف. أي حديث عن "أحقية” إسرائيل بالسيطرة على الضفة الغربية يتجاوز الفلسطينيين أولًا، لكنه يمسّ أيضًا الأمن الوطني الأردني، ويضرب أسس الاستقرار الإقليمي. فالمساس بحل الدولتين يعني فتح أبواب المجهول، وتعميق مناخ اليأس الذي يغذي التطرف ويقوّض أي أفق سياسي حقيقي.

المشكلة في مثل هذه التصريحات أنها لا تبقى حبرًا على ورق. فهي تُقرأ في المنطقة باعتبارها ضوءًا أخضر لسياسات التوسع والاستيطان، وتُترجم على الأرض بقرارات مصادرة وتقييد لحياة الفلسطينيين اليومية. وهنا يكمن الخطر: حين تتحول اللغة الدبلوماسية إلى غطاء سياسي لإدامة واقع الاحتلال، بدل أن تكون جسرًا نحو إنهائه.

ليس المطلوب بيانات شجب عابرة، بل إعادة تأكيد عملية على أن القانون الدولي ليس انتقائيًا، وأن التحالفات لا تمنح حصانة من المساءلة. إذا كان العالم جادًا في الحديث عن "نظام دولي قائم على القواعد”، فعليه أن يطبق هذه القواعد حين تتعلق بحلفائه قبل خصومه، وإلا فقدت تلك القواعد معناها ومصداقيتها.

 لا يمكن بناء سلام على قاعدة إنكار حقوق شعب كامل، ولا يمكن أن يستقر الشرق الأوسط بمنطق الغلبة. التصريحات قد تُرضي تيارًا سياسيًا هنا أو هناك، لكنها لا تصنع مستقبلًا آمنًا. المستقبل يُصنع حين يُعترف بالحق، لا حين يُعاد تعريفه وفق ميزان القوة.

ويبقى السؤال الأكبر: هل يريد المجتمع الدولي سلامًا حقيقيًا قائمًا على العدالة، أم إدارة صراع طويل الأمد يُعاد تدويره كل مرة بعبارات جديدة؟

الإجابة لن تُكتب في بيانات السفارات، بل في قدرة العالم على الوقوف مع القانون… لا مع الأقوى.

كاتب وصحفي أردني

تصميم و تطوير