رمضان… وكرامة الفقراء حين يصبح الصيام سؤال عدالة

{title}
أخبار دقيقة -

عدنان نصّار

مع إطلالة شهر رمضان، تتبدّل ملامح المدن. تُضاء الشرفات، وتتعالى أصوات المآذن، وتزدحم الأسواق قبيل الغروب بوجوهٍ تبحث عن مستلزمات الإفطار. غير أنّ خلف هذا المشهد المضيء، ثمّة سؤالٌ ثقيل لا يزول: ماذا يعني رمضان لمن لا يملك ما يفطر عليه؟

 

 

 

رمضان، في جوهره، ليس مجرد انقطاعٍ عن الطعام والشراب، بل انحيازٌ أخلاقي إلى الإنسان. هو تمرينٌ جماعي على الإحساس بالآخر، وعلى إعادة ترتيب سلّم الأولويات. لكنّ المفارقة المؤلمة أن الفقير لا يصوم عن ترفٍ اعتاده، بل عن عوزٍ يعرفه طوال العام. جوعه ليس طقسًا مؤقتًا، بل واقعًا دائمًا؛ ومع ذلك يُطالَب كلّ مرة بالصبر ذاته، والرضا ذاته، والصمت ذاته.

الكرامة… تلك الكلمة التي كثيرًا ما تُذكر في الخطب، هي العنوان الأهم في رمضان..فالفقير لا تؤلمه قلة المال بقدر ما تؤلمه لحظة انكسار. لحظة أن يمدّ يده مكرهًا. لحظة أن يُعرَض اسمه في قوائم المساعدات كرقمٍ بلا ملامح.. إنّ حفظ ماء الوجه ليس ترفًا أخلاقيًا، بل صميم العدالة الاجتماعية.

في كثير من العواصم العربية، تتشابه الطقوس الرمضانية: التمر هندي ، الخروب، السوس، موائد الرحمن، المساجد العامرة بصلاة التراويح، وحملات التبرع. من عمّان إلى الدار البيضاء، ومن أحياء القاهرة الشعبية إلى قرى اليمن البعيدة، يتكرّر المشهد ذاته. لكن خلف هذا المشهد، يتكرّر أيضًا الفقر ذاته: أمٌّ تحاول أن توفّق بين ثمن الدواء وثمن الطعام، أبٌ يخفي عجزه خلف ابتسامةٍ متعبة، طفلٌ يراقب واجهات المحالّ وهو يحلم بكسوة العيد.

رمضان يذكّرنا بأن التكافل ليس فعلاً موسميًا. الزكاة ليست صندوقًا يُفتح مرة في العام، بل فلسفة توزيعٍ عادلة. والصدقة ليست بقايا موائد، بل شراكة في المصير. حين يتحول العطاء إلى استعراض، تفقد المساعدة معناها. وحين تُقدَّم المعونة بطريقة تُشعر المحتاج بالدونية، نكون قد خسرنا روح الشهر وإن احتفظنا بمظهره.

إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نحصر الفقر في صورةٍ عاطفية تُبكينا ساعةً ثم ننساها. الفقر قضية بنيوية، ترتبط بالبطالة، بضعف الخدمات، باختلال توزيع الثروة، وبغياب سياسات الحماية الاجتماعية الفاعلة. من هنا، يصبح رمضان سؤالاً موجّهًا إلى صُنّاع القرار بقدر ما هو موجّه إلى الأفراد: كيف نحوّل روح التكافل إلى نظامٍ مستدام؟ كيف نجعل من كرامة الفقير معيارًا لنجاح السياسات الاقتصادية؟

ليس المطلوب أن نُكثر من موائد الإفطار فقط، بل أن نُكثِر من فرص العمل. ليس المطلوب أن نوزّع سلالًا غذائية فحسب، بل أن نعيد الاعتبار لقيمة الإنتاج والتمكين. الكرامة تبدأ حين يصبح للإنسان دخلٌ يحفظ استقلاله، وصوتٌ يُسمع في دوائر القرار، وشعورٌ بأنه شريكٌ في الوطن لا عبءٌ عليه.

وفي زمنٍ تتزايد فيه الأزمات الاقتصادية، وتتعمّق فيه الفجوات بين الطبقات، يبدو رمضان فرصةً نادرة لإعادة طرح السؤال الكبير: أيُّ مجتمعٍ نريد؟ مجتمعَ صدقاتٍ موسمية، أم مجتمعَ عدالةٍ دائمة؟ إنّ الصوم يعلّمنا ضبط الشهوة، لكنّ العدالة تعلّمنا ضبط السلطة. والصلاة ترفعنا إلى السماء، لكنّ الإنصاف يعيدنا إلى الأرض لنُصلح ما أفسدناه.

الفقراء لا يطلبون شفقةً ولا خطابًا إنشائيًا. يطلبون احترامًا. يطلبون أن تصل المساعدة إليهم دون كاميرات، وأن تُصاغ السياسات الاقتصادية بعيونٍ ترى وجوههم لا أرقامهم فقط. يطلبون أن يكون رمضان بداية إصلاحٍ لا استراحة ضمير.

وعندما ينقضي شهر رمضان، يبقى الامتحان الحقيقي: هل تغيّر شيء في نظرتنا إلى الفقر؟ هل تحوّل الصيام إلى وعيٍ دائم، أم عاد كلٌّ إلى عاداته القديمة؟ إنّ روح الشهر لا تُقاس بعدد الموائد، بل بقدرتنا على صون كرامة الإنسان، أيًّا كان موقعه.

رمضان ليس شهر الجوع، بل شهر الكرامة. وكرامة الفقراء ليست مناسبةً عابرة، بل معيار حضارة. فحين نصون كرامتهم، نكون قد صُنّا معنى الصيام نفسه… وحين نغفل عنها، نكون قد أضعنا أجمل ما في الشهر من رسالة..رسالة العدالة الإجتماعية المستدامة.

كاتب وصحفي أردني

تصميم و تطوير