الدكتور صايل الشوبكي يكتب خطاب العرش.. عروبة ثابتة ونهج هاشمي متجدد
أخبار دقيقة -
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح أعمال الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، خطاباً بروتوكولياً لافتتاح دورة برلمانية، بل كان وثيقة وطنية شاملة، أعادت ترتيب الأولويات، ووضعت النقاط على الحروف في مرحلة دقيقة تمر بها المنطقة والوطن.
لقد بدأ جلالته خطابه بالتأكيد على الهوية، فقال: "والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الهاشمي الأمين"، ليؤكد أن انتماءنا العربي ليس شعاراً موسمياً، بل هو عمق الدولة ومصدر شرعيتها التاريخية، وأن النهج الهاشمي الذي ورثناه عن الآباء والأجداد سيبقى هو البوصلة، كما قال جلالته: "متمسكين بعروبتنا وبالدفاع عن قضايا أمتنا - كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي".
1. الوحدة الوطنية خط أحمر
جاء خطاب العرش واضحاً وحاسماً في مواجهة الإرهاب، بعد الهجوم الغادر على الكرك. لم يلجأ جلالته إلى لغة التعميم أو التبرير، بل سمى الأمور بمسمياتها: "هؤلاء ليسوا منا.. هؤلاء خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة.. وخانوا هذه الأسرة.. فلا مكان لهم بيننا.. لا اليوم ولا غدا".
هذه العبارة ليست مجرد إدانة، بل هي تعريف وطني جامع لمفهوم "الأسرة الأردنية". فالأردنيون بكل منابتهم وأصولهم أسرة واحدة، ومن يخرج على هذه الأسرة بالفكر التكفيري أو بالعنف، فقد وضع نفسه خارج الإجماع الوطني. وإن دماء شهداء الكرك التي وصفها جلالته بأنها "عهد في أعناقنا"، هي العهد الذي يلزمنا جميعاً، نواباً وأعياناً وحكومة وشعباً، بأن نكون صفاً واحداً خلف قيادتنا وجيشنا وأجهزتنا الأمنية.
2. مجلس الأمة.. صوت الوطن لا صوت المحاصصة
وجه جلالته رسالة مباشرة إلى المجلس: "إن مجلسكم الكريم هو ركن أساس ومقدم في الحياة السياسية، فالأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها"، وأضاف: "حري بمجلسكم أن يكون صوتا للوطن وحارسا للمصلحة العامة".
في ظل التجربة الحزبية الجديدة، وما شهدته الساحة من تخبط على مواقع المكتب الدائم، يأتي هذا التوجيه ليضع معياراً واضحاً للعمل البرلماني: اختلاف الرأي قوة إذا كانت الغاية مصلحة الأردن، أما التنافس على المواقع والمكاسب الفئوية فهو خروج عن روح الخطاب الملكي.
كما شدد جلالته على أن "مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه"، وهي رسالة للحكومة والمجلس معاً بأن التشريع والرقابة يجب أن تقاس بمعيار واحد: ماذا قدمت للمواطن في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه؟
3. فلسطين أولاً.. والقدس أمانة
جدد خطاب العرش التأكيد على الثابت الأردني: "لا سبيل للأمن والاستقرار في منطقتنا، دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه". وفي وقت تستمر فيه الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة والقدس، يبقى الموقف الأردني هو الأوضح والأكثر اتساقاً في المنطقة، لأنه موقف مبدئي لا يتغير بتغير الظروف.
إن الدور الهاشمي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، هو امتداد طبيعي للرسالة الهاشمية التي بدأت مع الثورة العربية الكبرى.
4. الأمن المائي والاقتصاد.. معركة البقاء
لفتني في الخطاب التركيز غير المسبوق على ملفين يحددان مستقبل الدولة: المياه والاقتصاد. فقد قال جلالته: "المياه، المياه، المياه! أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف".
وهو توجيه حكومي واضح بأن مشاريع الأمن المائي ليست مشاريع تنموية عادية، بل هي مشاريع سيادة. كذلك أكد جلالته أن "اليوم نسير على درب التحديث الاقتصادي" من خلال مشاريع كبرى طموحة تعزز منعة الاقتصاد الوطني، وأن "الأردن القوي هو الأقدر على الدفاع عن مصالحه وعن قضايا أمته".
خطاب العرش لهذا العام هو خطاب المرحلة: عروبة لا تتزحزح، ونهج هاشمي لا يتبدل، ووحدة وطنية لا تقبل المساس، وبرلمان مطالب بأن يكون على قدر المسؤولية التاريخية.
لقد أدى جلالة الملك واجبه في التوجيه والتبصير، والكرة الآن في ملعب مجلس الأمة والحكومة. فإما أن نكون على مستوى الخطاب، أو أن يتحول الخطاب إلى مجرد كلمات تقال في يوم الافتتاح.
الدكتور المحامي صايل علي الشوبكي
