خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل وثيقة تاريخية حاصرت إسرائيل بقلم: هاشمي النخاع
أخبار دقيقة -
خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يصلح أن نطلق عليه بأنه خطاب الوعي؛ لأنه وبأسلوب فذ استدعى انتباه العالم قيادات وشعوب من الغفلة التي أطبقت عليهم، رغم ما يحدق بالإنسانية ومصيرها من مخاطر.
وبطريقة بانورامية نقل من خلالها المشاهد إلى الواقع الذي يجب أن يستحوذ على اهتمامه، ولم يكتف بأن يشخص أمراض البشرية بل وصف لها العلاج الصحيح، وفتح أمام الناس أبواب الأمل، رغم أن اليأس في الظروف الحالية بدا سيد الموقف.
وأنا في هذه المقال أسجل انطباعاتي عن الخطاب مستحضراً ما أحاط به من أدوات فن الخطابة السياسية المتمثلة بالهيبة والغضب والبلاغة والبراعة التي كانت تفرض نفسها على المستمع لتجعله منقاداً إلى متابعة الخطاب حتى آخر كلمة منه، ومن هذه الانطباعات:
أن سيدنا عندما يخطب في المحافل الدولية فإن الأردن يظهر بحجم العالم، فقد تناول جلالته كافة مشاكل العالم، وتحدث عن معاناة البشرية، واعتبر أنها لا تتجزأ، فإذا عانت أي دولة، أو ظلم أي شعب فإن ذلك سيصيب جميع البشرية، وكان هذا التناول بشجاعة فائقة فكما تحدث عن معاناة الناس في منطقتنا تحدث عن معاناتهم في نيوجيرسي، وهذا النوع من الخطابات لا يمكن أن يصدر إلا عن قائد عالمي وزعيم أممي من شأنه أن تترقب الدول والقيادات والشعوب كلامه، والانطباع
الثاني: الفروسية الهاشمية التي هي هبة من الله لآل البيت حفظهم الله، وهذه الهبة من أجل ما هيأهم الله له من مهام جسام تجاه أمتهم والبشرية جمعاء، فرغم العدوان الإيراني الآثم على الأردن، فإنه لن تجد إنصافاً للقضية الإيرانية كذلك الذي جاء في خطاب جلالة الملك الهاشمي، حيث بين وبشكل لا مراء فيه أن الحرب سبب مشاكل المنطقة، وأن الصراع ليست وسيلة مثلى لحل القضايا والخلافات.
كان جلالة الملك في خطابه الجبل الشامخ الذي اتكأت فلسطين على كتفه الأيمن، وسوريا على كفته الأيسر، وجاء حديثه عن الاعتداءات الإسرائيلية على السيادة السورية ليعيد الأمور إلى نصابها وأن المشرق العربي نسيج واحد ما يؤثر على جزء منه يؤثر على الباقي، وأن الزعامة المقبولة لتمثيله والتحدث باسمه هي الزعامة الهاشمية، كانت ولازالت وستبقى.
وأما فلسطين فإنك يخيل لك وأن تستمع لكلام جلالة الملك أن فلسطين هي التي تخطب، وهي التي تتحدث عن آلامها، وتستحضر وأنت تستمع إلى الخطاب تاريخ فلسطين المعاصر والأحداث التي مرت بها، والتضحيات التي بذلها الهاشميون في سبيلها، ودماء الجيش العربي على ثراها، فتفهم من الخطاب أن قضية فلسطين لا تصفى ما دامت سفينة النجاة لهذه الأمة المتمثلة بالقيادة الهاشمية قائمة، وحيث إن خطاب جلالة الملك ليس كلمات، وإنما مواقف رأينا الوفد الإسرائيلي أكثر من تابع هذا الخطاب باهتمام، وهذا الخطاب كما عنونا حاصر إسرائيل وعراها أمام العالم.
وفي أشارة جلالته إلى الوفد الإسرائيلي بيان أنه وإن كان يخاطب العالم فإنه يخاطب ما قد يكون من تبقى من عاقل في إسرائيل، لعله يشارك في وضع حد لتيار التطرف الذي سيطر على تلك الدولة، والذي وضعها في مواجهة العالم وشعوبه جمعاء، ولم يترك جلالته بعد مغادرته للمنصة مجالاً لإسرائيل أن تقوم بما اعتادت عليه من هواية تحريف الحقائق، فقد سمى كل شيء باسمه، وحمل المسؤولية عن كل جريمة وخطأ للفاعل والمشترك، واعتبر السكوت موقفاً وأنه مقصود؛ لذلك سميت هذا الخطاب بأنه خطاب الوعي.
وأخيراً فمن كان يبحث عن السردية الأردنية فليعد إلى هذا الخطاب ولينظر فيه مراراً وتكراراً ليرى السردية على حقيقتها فالأردن كيان عظيم وطراز خاص من الدول بحكم تشكله من قيادة من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورثت الزعامة كابراً عن كابر.
ومن شعب متوحد على قيم سامية، وجغرافية تشكل عقدة المنطقة ومركزها الأخطر، لذا تجد في هذه السردية العروبة حاضرة وقضية فلسطين لا تغيب، وتجد التسامح، وإرادة الخير للعالم، وخصوصية العلاقة مع الخليج، والأمل والتطلع للمستقبل، والابتكار، والبحث عن الفرص.
حفظ الله جلالة الملك وحفظ الله الأردن وشعبه.
23/9/2026
