اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

حين غابَ الميزان **في ذكرى رجلٍ نهضت به النقابة… فلما غاب مالَت**

{title}
أخبار دقيقة -



في آخر يوم من شهر آب عام ٢٠١٩، لا يمرُّ التاريخُ على الذاكرة كغيره من الأيام؛ فهو يومٌ يفتح في القلب بابًا للفقد، ويعيد إلى الذاكرة رجلًا لم يكن حضوره كمن ورد على ماء ثم صدر ، ولا كان غيابه عاديًا.
رحل شقيقي الدكتور أحمد الحجايا، نقيب المعلمين الراحل، فكان رحيله وجعًا لم يصب أهله وحدهم، بل أصاب كل من عرفه، وترك في النقابة فراغًا لم يكن فراغَ رجلٍ فحسب، بل فراغَ ميزان.
كان رجلًا إذا اضطربت المواقف أعادها إلى نصابها، وإذا اشتدت الخصومة خفّض منسوبها، وإذا داهمت المؤسسة عاصفة، وقف في وجهها لا ليحتمي بها، بل ليحميها.
كان حكمةً تمشي على قدمين، ويدًا تمتد إلى الغريق قبل أن تسأله كيف غرق.
وحين اضطربت الأمواج، لم يقف على الشاطئ متفرجًا؛ بل نزل إلى الماء، ومد ذراعه للغريق، حتى غرق هو، ونجت النقابة.
وهنا تكمن قيمة الرجل ومرارة الحكاية معًا:
أنقذ السفينة، لكنه لم يخرج معها إلى الشاطئ.
ثم رحل...
فإذا بالنقابة التي كانت تستند إلى رجلٍ يعرف كيف يزن الأمور، تبحث بعده عن موضع قدم.
نهض الرجل، فنهضت معه؛
وحين غاب، بقيت واقفة، لكنها تزحلقت على أرضٍ فقدت ثباتها.
فبعض الرجال لا يكونون جزءًا من المؤسسة؛ بل تكون المؤسسة جزءًا من اتزانهم.
ولا نعرف قيمة الظل إلا ساعة الهجير، ولا قيمة الجدار إلا ساعة العاصفة، ولا قيمة الرجل إلا حين تأتي ساعة الحاجة إلى حكمته، فنمد أيدينا إلى مكانه فلا نجد إلا الفراغ.
كان من الرجال الذين لا يطلبون الضوء، لأن مواقفهم كانت تضيء.
لا يكثرون الكلام، لأن أفعالهم كانت أبلغ من الخطب.
ولا يقيسون القيادة بارتفاع الكرسي، بل بمدى قدرتهم على حمل أثقال الآخرين.
ولذلك بقي أثره بعد رحيله.
فالتراب يأخذ الجسد ولا يأخذ الموقف،
ويدفن الصوت ولا يدفن الحكمة،
ويغيب الرجل ولا يستطيع أن يغيب ما كانه الرجل في حياة الناس.
يا لهذا اليوم الاخير  من آب...
كأن أودية الجنوب يومها حفظت نبرةً من صوته، وكأن شعف الجبال ما زال يردّد صدى خطاه؛ فهذه الأرض تعرف رجالها، ولا تحفظ أسماءهم بالحبر، بل بما تركوا من ظلٍّ على ظهور الأيام.
رحم الله رجلًا كان للشدائد صدرًا، وللخلافات عقلًا، وللضعفاء ذراعًا، وللنقابة ميزانًا.
رحم الله من جعل نجاة الآخرين جزءًا من نجاته، حتى كان ثمن الوفاء أن يغيب هو، ويبقى الذين أنقذهم.
ولعل أبلغ ما يقال في سيرته:
كان هنا رجلٌ... فاستقام شيء.
وكان هنا رجلٌ... فهدأت عاصفة.
وكان هنا رجلٌ... فنهضت نقابة.
ثم غاب الرجل... فبقيت النقابة، لكنها فقدت ميزانها.
رحم الله فقيدًا قلَّ في الرجال مثله؛ فقد مات جسده، وبقيت سيرته شاهدةً أن بعض الرجال لا يملؤون مكانًا...
بل يكونون هم المكان.
سلامٌ على روحه يوم غادر،
وسلامٌ على ذكراه ما بقي فينا قلبٌ يعرف الوفاء.
وسلامٌ على اليوم الأخير من آب...
ذلك اليوم الذي لم يأخذ رجلًا من الدنيا فحسب،
بل أخذ من الدنيا شيئًا من اتزانها.

بقلم : النائب أروى الحجايا
تصميم و تطوير