السردية الأردنية: من يتكلم عن فلسطين؟
أخبار دقيقة -
الصمت علامة رضا، لكن متى يصبح الصمت تخليًا عن المسؤولية؟
كتب _أمين عام حزب الغد محمد رمضان
في شرق أوسط ملتهب، تتسارع الأحداث وتتداخل ساحات الصراع، فيما تتصاعد المواجهات والقصف الإيراني من الخليج إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. حربٌ تُدار على نار هادئة، وتُحاك تفاصيلها بعيدًا عن أعين الشعوب، ولا يعلم أحد إلى أين يمكن أن تقود المنطقة.
وفي خضم هذا المشهد، يلفت الانتباه صمتٌ غير معتاد من عدد من القيادات والشخصيات الأردنية من أصول فلسطينية، في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى صوت واضح، والموقف إلى حضور مسؤول لا يختبئ خلف الصمت.
ولعل غياب دولة السيد طاهر المصري عن المشهد العام، بسبب ظروفه الصحية، يفتح بابًا للتساؤل حول السردية الأردنية الفلسطينية، وحول أصواتٍ سياسية ووطنية كان لها حضورها في تاريخ الدولة الأردنية، وأسهمت في صياغة مراحل مهمة من مسيرتها.
من دولة سعيد التميمي، مرورًا بدولة توفيق أبو الهدى، الذي شهد عهده إعلان وحدة الضفتين عام 1950، ثم صدور الدستور المعمول به حاليًا عام 1952، وصولًا إلى دولة طاهر المصري، تتوالى أسماء وشخصيات كان لها حضور بارز في تاريخ الأردن السياسي والوطني.
وكان توفيق أبو الهدى، الذي عُرف بلقب «رجل الدولة»، صاحب مواقف ومحطات تاريخية كثيرة تستحق التوثيق والدراسة، ولا يمكن اختزالها في مقال أو سرد عابر.
أما دولة طاهر المصري، وغيره من القيادات الأردنية من أصول فلسطينية، فقد كانوا جزءًا أصيلًا من مسيرة بناء الدولة الأردنية ونهضتها، وأسهموا في مؤسساتها وقرارها السياسي، وتركوا بصمات واضحة في تاريخها. وما قدموه للأردن لا ينبغي أن يبقى خارج إطار السردية الوطنية الأردنية، بل يستحق أن يُوثق ويُروى للأجيال بكل موضوعية وإنصاف.
وهنا يبرز السؤال:
من يوثق هذه المرحلة؟ ومن يتحدث عنها؟ ومن يحفظ هذه الذاكرة الوطنية من أن يطويها الصمت؟
اليوم، ونحن نمر بواحدة من أكثر المراحل حساسية وخطورة في تاريخ المنطقة، نفتقد الصوت الواضح والموقف الصريح، ونحتاج إلى أن نراجع حضورنا كقيادات وشخصيات أردنية من أصول فلسطينية، وأن نسأل أنفسنا: هل أدينا ما علينا تجاه الأردن وفلسطين في هذه اللحظة التاريخية؟
إن خطر تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية ليس مجرد تفصيل في مشهد سياسي عابر؛ بل هو من أخطر التحديات التي تواجه المنطقة، وله تداعيات مباشرة على الأردن وأمنه واستقراره ومستقبله.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي أن نكون في مقدمة الأصوات المدافعة عن حق الشعب الفلسطيني، وأن نتحدث بوضوح، بعيدًا عن الخوف أو الحسابات الضيقة.
لا للتهجير.
لا للوطن البديل.
نعم لحق العودة.
إن التهجير القسري لا يمس الفلسطينيين وحدهم، بل يمس كرامة الأردن وسيادته وأمنه الوطني، ويمس تاريخ هذا الوطن الذي فتح ذراعيه منذ النكبة، وتحمل على مدى عقود أعباء القضية الفلسطينية، قيادةً وشعبًا، وما زال الأردن يدفع ثمن مواقفه العروبية والتاريخية تجاه فلسطين.
لقد كان الأردن، وما يزال، حاضرًا في قلب القضية الفلسطينية، وقد تحمل الكثير من أجلها، ولا يجوز أن تتحول التضحيات والتاريخ والمواقف إلى مجرد صفحات منسية.
إن الدفاع عن حق العودة ورفض التهجير والوطن البديل ليس موقفًا عابرًا، بل هو دفاع عن فلسطين، وعن الأردن، وعن مستقبل المنطقة، وعن حق الشعوب في أرضها وكرامتها.
ولهذا، فإن السؤال الذي يبقى حاضرًا، خصوصًا في هذه اللحظة الصعبة:
من يتكلم بعدك يا طاهر؟
ومن يحمل صوت الدولة، وصوت الاعتدال، وصوت التاريخ، وصوت الأردن وفلسطين، حين يصبح الصمت هو العنوان؟
