تحديات الاستثمار في تونس بين تعقيدات البيروقراطية وطموحات النمو الاقتصادي
كشفت تقارير اقتصادية حديثة عن وجود فجوة كبيرة بين حجم الاستثمارات المصرح بها في تونس وبين قدرة المشاريع على بلوغ مرحلة التنفيذ الفعلي على ارض الواقع. واظهرت المعطيات ان العديد من المستثمرين يواجهون مسارات ادارية معقدة تحول دون تحويل افكارهم الى مشاريع منتجة ومولدة لفرص العمل. واوضح مراقبون ان حالة المستثمر محمد خليل الذي ينتظر منذ اربع سنوات استكمال اجراءات مدجنة عصرية تعد نموذجا حيا لمعاناة الكثير من المبادرين الذين يصطدمون بمتاهات كراس الشروط والتعقيدات البيطرية والبيئية.
واضافت البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة التونسية للاستثمار ان حجم الاستثمارات المصرح بها حقق نموا لافتا خلال الفترة الماضية بنسبة تقارب 39 بالمئة لتصل الى مستويات قياسية. وبينت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ان الاستثمارات الاجنبية سجلت هي الاخرى نموا ملحوظا بفضل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتونس وتوفر اليد العاملة المؤهلة في قطاعات حيوية مثل صناعة مكونات السيارات والطيران والنسيج. ورغم هذه الارقام الايجابية يرى خبراء ان هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة الواقع الميداني لنسبة المشاريع التي تنجح فعليا في تجاوز العوائق الادارية والتمويلية.
وقال الخبير الاقتصادي سمير زنطور ان الاقتصاد التونسي يتمتع بآفاق واعدة لجذب الرساميل لكنه يعاني من ترسانة قانونية تحتاج الى تحديث جذري لمواكبة متطلبات العصر. واشار الى ان البيروقراطية لا تمثل العائق الوحيد بل يبرز النفاذ الى التمويل كعقبة رئيسية امام اكثر من 67 بالمئة من المؤسسات وفق مسح البنك الدولي. واكد ان غياب التمويل البنكي وغلاء تكلفة الطاقة والضرائب تجعل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في حالة ضعف دائم امام اي هزات اقتصادية.
واوضح عبد الرزاق حواص الناطق باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة ان نسبة اغلاق الشركات في تونس مرتفعة وتصل الى 39 بالمئة سنويا بمتوسط عمر لا يتجاوز 18 شهرا للمؤسسة الواحدة. مبينا ان الحاجة ملحة لاصلاح المنظومة القانونية وتسهيل النفاذ الى التمويل خاصة للفلاحين والمبادرين في القطاعات الانتاجية الذين يعتمدون كليا على مواردهم الذاتية.
واضافت الخبيرة في الحوكمة نادية الجلاصي ان القضاء يلعب دورا محوريا في مناخ الاستثمار حيث يتطلب المستثمر الاجنبي ضمانات قانونية واضحة وشفافة لفض النزاعات. واشارت الى ان تعزيز ثقة المستثمر يبدأ من تبسيط الاجراءات الادارية وينتهي بتوفير بيئة قضائية تحمي حقوق الملكية وتسرع في تنفيذ الاحكام. وبينت ان تونس لا تزال وجهة جذابة للشركات الخليجية والاقليمية التي تبحث عن بيئة استثمارية امنة ومستقرة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وختاما تشير التقديرات الى ان الاقتصاد التونسي يسجل معدلات نمو متواضعة تتطلب استراتيجيات اكثر جرأة لتحفيز الانتاج وخفض نسب البطالة. ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه الاقتصاديون هو مدى قدرة السلطات على الانتقال من مجرد الاعلان عن ارقام الاستثمار الى تهيئة مناخ اعمال حقيقي يذلل الصعوبات امام المستثمر المحلي والاجنبي على حد سواء لضمان استدامة المشاريع وتطويرها.
