نقابة الفنانين الأردنيين: بين سيادة التشريع وحتمية الإصلاح بقلم: فيصل تايه
أخبار دقيقة -
تُبنى الدول بصلابة مؤسساتها، وتستقيم المجتمعات بامتثالها لسيادة القانون؛ فالمؤسسية ليست مجرد هياكل إدارية جامدة، بل هي العقد الاجتماعي الناظم الذي يتساوى تحت سقفه الجميع، حيث تذوب النرجسيات الفردية في بوتقة الصالح العام. ومخطئ من يظن أن الإبداع حصانة ضد التنظيم، أو أن النجومية صك غفران يُعفي من الواجبات المدنية والالتزامات النقابية.
بيد أننا نلحظ في مشهدنا الفني، بين الفينة والأخرى، ممارسات غريبة عن تقاليد بيئتنا الإبداعية، تتمثل في جنوح البعض إلى "التجييش الافتراضي" والاستعراض الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي، كلما اصطدمت النرجسية الفردية بصرامة الأنظمة والتعليمات النقابية. وأمام هذا التراشق السلبي والمناكفات المفتعلة، يبرز سؤال مشروع ومؤلم: على ماذا يتنافس بعض المبدعين اليوم؟ وما الغنيمة الإبداعية التي تستحق إهدار هيبة المؤسسات على مذبح الشعبوية الزائفة؟ وإلى متى يُراد لمنصات "العالم الأزرق" أن تتحول إلى معول لهدم المأسسة وتصفية الحسابات الضيقة، على حساب إرث فني أردني عريق أسهم في تشكيل الوجدان الوطني وتعزيز الحضور الحضاري للدولة؟
هذا الواقع هو ما يدفعني اليوم، ككاتب يقف على مسافة واحدة من الجميع، ومدفوعاً بوازع المسؤولية الوطنية والحرص على الوسط الفني بكل قاماته، إلى مقاربة هذه القضية من منظور إداري وتشريعي، بعيداً عن صخب التسييس أو التباكي الاستعطافي أو محاولات استدرار الرأي العام. ولست ناطقاً باسم جهة، ولا مدافعاً عن أشخاص، وإنما أتناول فلسفة إدارة المؤسسات العامة حين تكون محكومة بسيادة القانون لا بأهواء الأفراد.
إن القراءة المتأنية للقرار الأخير الصادر عن مجلس نقابة الفنانين الأردنيين، والقاضي بتطبيق الأحكام القانونية بحق المستنكفين عن الوفاء بالتزاماتهم المالية، تؤكد أن المجلس لم يفرض قراراً إدارياً مزاجياً، ولم يجتهد خارج حدود صلاحياته ومساحات الهوى، وإنما نفذ واجباً قانونياً فرضته عليه أحكام التشريع. فالقرار يستند بدقة إلى أحكام الفقرة (د) من المادة (٨) من قانون نقابة الفنانين الأردنيين رقم (٩) لسنة ١٩٩٧، وإلى أحكام الفقرة (أ) من المادة (٣٦) من نظام التقاعد والضمان الاجتماعي رقم (٢٢) لسنة ٢٠٠٠. وهذه النصوص الآمرة لا تمنح مجلس النقابة رفاهية الانتقاء أو المجاملة التنظيمية، بل تُلزمه بتطبيقها على الجميع دون تمييز.
وليس من قبيل المبالغة القول إن أي إخلال بهذا الواجب قد يعرّض المجلس نفسه للمساءلة القانونية، لأن أموال النقابة وصناديقها تخضع لرقابة حثيثة من الجهات المختصة، وفي مقدمتها ديوان المحاسبة، باعتبارها أموالاً ذات حماية قانونية تستوجب المحافظة عليها وإدارتها وفق أحكام التشريع. ومن ثم فإن المساواة في تطبيق القانون ليست خياراً إدارياً، وإنما "التزام قانوني وأخلاقي" يحمي المؤسسة قبل أن يحمي مجلسها.
والمفارقة التي تستحق الوقوف عندها أن القرار لم يكن مفاجئاً أو ارتجالياً، بل جاء بعد مدد زمنية كافية، وإنذارات رسمية متكررة، وإتاحة الفرصة كاملة لتصويب الأوضاع المالية المتراكمة منذ سنوات في بعض الحالات، عبر قنوات المرونة والتسهيل والجدولة المتاحة مؤسسياً. وهنا يبرز السؤال المنطقي: هل أصبح تطبيق القانون إقصاءً؟ وهل غدت المطالبة بالوفاء بالالتزامات النقابية خصومة شخصية؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في رفض الالتزام ذاته والاستعلاء على المأسسة، لا في الجهة التي طبقت القانون؟
إن النقابة ليست جمعية خيرية تمنح صكوك الغفران المالي لمن يملك القدرة على الوفاء بالتزاماته ثم يمتنع عنها. نعم، التاريخ الفني والإرث الإبداعي لأي قامة وطنية محل تقدير واعتزاز لا يتبدل بتبدل القيود السجلية، فمكانة المبدع في وجدان ناسه محفوظة ومصونة، لكن النجومية، في دولة المؤسسات، لا تُنشئ حصانة من القانون، ولا تُسقط واجب المشاركة في رفد صناديق التقاعد والتأمين الصحي والمكافآت، وهي الصناديق التي تمثل مظلة الأمان لزملائهم الفنانين في المرض والشيخوخة وظروف الحياة؛ إذ إن استدامة هذه المظلة وتحصينها هو الضمانة الأخلاقية والملجأ الإنساني الأخير لحماية حقوق الرواد والأقل حظاً في الأسرة الفنية.
والإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن المجلس الحالي تبنى، منذ توليه المسؤولية، نهجاً يقوم على المأسسة والانضباط المالي وتعزيز الحوكمة، في انسجام واضح مع التوجه الوطني نحو التحديث الإداري وترسيخ معايير النزاهة والشفافية. ومهما اختلفت التقديرات حول بعض القرارات، فإن الانتقال من ثقافة المجاملات إلى ثقافة تطبيق النصوص القانونية هو في ذاته تحول استراتيجي يستحق التوقف عنده والدعم، لأنه يحفظ حقوق الأجيال المقبلة ويعزز استدامة العمل النقابي.
ولم تقف بوصلة المجلس عند حدود الإصلاح الإداري، بل امتدت إلى تأكيد البعد الوطني والقومي للرسالة الفنية، من خلال مواقف معلنة اتخذها النقيب وأعضاء المجلس، بالتنسيق مع شخصيات فنية وازنة، دفاعاً عن الثوابت الوطنية والقومية، ورفضًا لتحويل الفن إلى وسيلة لتزييف الوعي أو الإساءة إلى القضايا التي تشكل وجدان الأردنيين والعرب. وهذا يؤكد أن الفن، في فلسفة هذا المجلس، ليس مجرد نشاط مهني، بل رسالة وطن وهوية ومسؤولية.
وفي المقابل، يبقى الباب مفتوحاً أمام كل صاحب حق أو اعتراض ليسلك الطريق الذي رسمه القانون؛ فالنقابة لم تكن يوماً إقطاعية لأحد، ولن تكون، وإنما هي بيت الجميع، يتساوى تحت سقفه الأعضاء في الحقوق كما يتساوون في الواجبات. أما تحويل الخلاف الإداري إلى حملات تشهير، أو استقواء بمنصات التواصل الاجتماعي، أو محاولة فرض الأمر الواقع عبر الضغط الشعبوي الرقمي، فلا يصنع حقاً ولا يبطل واجباً.
إن المرحلة الراهنة، والدولة الأردنية تمضي بثقة في مسارات التحديث الشامل، تتطلب من الأسرة الفنية أن تنصرف إلى ما هو أولى: بناء خطط استراتيجية تستقطب الاستثمار، وتستعيد شركات الإنتاج، وتفتح آفاق الدعم العربي والمحلي، وتنهض بالدراما والفن الأردني ليستعيد مكانته الريادية التي يستحقها.
لسنا نملك اليوم ترف استنزاف الجهد في نزاعات فيسبوكية معزولة. لقد انطلق مسار الإصلاح، وسيادة القانون ليست شعاراً يُرفع عند الرخاء ويُعطل عند أول اختبار، بل هي أساس بقاء المؤسسات واحترامها. ومن يرى أن له حقاً، أو يملك بينة على مخالفة القانون، فالقضاء الأردني هو الفيصل والنهاية، أما ساحات التراشق الافتراضي فلن تكون يوماً بديلاً عن مؤسسات العدالة.
فالأوطان لا تُدار بالعواطف المستدرة، ولا تُبنى بالشعبوية، وإنما تُدار بالتشريع، وتُصان بالمسؤولية، وتنهض بمؤسسات قوية تُحسن تطبيق القانون بعدالة، دون تردد أو استثناء.
والله المستعان.
