تحليل اسباب تراجع الذهب رغم تصاعد التوترات العالمية

{title}
أخبار دقيقة -

في تحول لافت، يشهد الذهب تراجعا في قيمته رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، مما يثير تساؤلات حول دوره كملاذ آمن تقليدي. هذا التراجع لا يبدو مجرد تقلبات سوقية عابرة، بل يعكس تحولا في ديناميكيات الأسواق العالمية.

تقليديا، يفترض أن يؤدي اتساع نطاق التوترات الجيوسياسية إلى زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن. لكن، الحرب الحالية دفعت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع، مما زاد من توقعات التضخم وقلل من فرص خفض الفائدة الأمريكية، بالإضافة إلى ارتفاع عوائد السندات وصعود الدولار، وكلها عوامل ضغطت على الذهب على المدى القصير.

مجلس الاحتياطي الفدرالي أبقى على معدل الفائدة ثابتا، وأظهرت التوقعات أن التضخم لا يزال أعلى من المستهدف، مع استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بتطورات الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، مما رفع كلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائدا مثل الذهب.

الحرب لم تترجم في الأسواق باعتبارها مجرد صدمة خوف تدفع نحو الذهب، بل قُرئت أيضا بوصفها صدمة تضخمية تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية. ومع اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة، بدأت الأسواق في إعادة تسعير المسار المنتظر للفائدة الأمريكية، على أساس أن الضغوط التضخمية قد تصبح أكثر رسوخا مما كان متوقعا سابقا.

أظهرت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات الأمريكي أن تكاليف المدخلات سجلت أسرع وتيرة ارتفاع في عشرة أشهر، بينما ارتفعت أسعار البيع بأقوى معدل منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، مما يشير إلى أن قفزة تكاليف الطاقة وتشدد أوضاع الإمداد بدآ ينتقلان تدريجيا من جانب الإنتاج إلى الأسعار النهائية.

من هذا المنظور، لم يعد تحرك الذهب انعكاسا مباشرا لتصاعد التوترات العسكرية فحسب، بل بات رهينة للآثار غير المباشرة التي تولدها الحرب، وعلى رأسها ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار. فقد أدى تسعير مخاطر التضخم إلى تعزيز جاذبية الأصول ذات العائد، في مقابل تراجع جاذبية الذهب بوصفه أصلا لا يدر عائدا.

الأرقام تعكس هذا التحول بوضوح، إذ فقد الذهب أكثر من 21% من ذروته التاريخية المسجلة في 29 يناير، كما تراجع بنحو 17% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير. ورغم ارتداده إلى حدود 4491 دولارا في 27 مارس مدفوعا بعمليات شراء عند الانخفاض، فإنه لا يزال يتحرك دون مستوياته القياسية، مما يشير إلى استمرار الضغوط المرتبطة بمسار الفائدة وقوة العملة الأمريكية.

المعطيات الراهنة لا تدعم استنتاج تآكل وظيفة الذهب باعتباره ملاذا آمنا، بل تشير إلى تغير مؤقت في توازن القوى بين الأصول. فالتراجع السعري لا يعكس فقدان الذهب لخصائصه التحوطية، بقدر ما يعكس انتقال جزء من السيولة نحو الدولار والأدوات ذات العائد المرتفع، خاصة السندات قصيرة الأجل.

عادة ما يستفيد الذهب عندما تقترن المخاطر الجيوسياسية بتراجع العوائد أو بتوقعات تيسير نقدي. إلا أن الوضع الحالي مختلف، إذ أدت الحرب إلى صدمة نفطية رفعت التضخم وأعادت تسعير مسار الفائدة نحو التشدد، مما حدّ من جاذبية الذهب مؤقتا وجعل تفاعله مع الأزمة أكثر تعقيدا مقارنة بالأنماط التقليدية.

الطلب الكلي على الذهب تجاوز 5 آلاف طن في 2025 للمرة الأولى، مدفوعا بتدفقات استثمارية قوية، وبلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية نحو 27 طنا شهريا في العام نفسه. كما واصل بنك الشعب الصيني زيادة احتياطياته في يناير للشهر الخامس عشر على التوالي.

هذه المؤشرات تعكس أن الأساس الهيكلي للطلب لا يزال متماسكا، وأن ما شهده السعر من تراجع حاد يرتبط بعوامل مالية ونقدية قصيرة الأجل، أكثر منه بتحول جذري في سلوك الطلب طويل الأمد.

الخبير في الشؤون الاقتصادية مازن إرشيد قال إن ما جرى يرتبط بما وصفه بـ"أزمة السيولة". إذ دفعت قفزة النفط فوق 100 دولار للبرميل المستثمرين المؤسسيين إلى تسييل الأصول الرابحة، وفي مقدمتها الذهب، لتغطية خسائر أو لتوفير الدولار اللازم لتجارة الطاقة.

أضاف إرشيد أن هذا التراجع الذي شهده الذهب لا يعكس انهيارا في مكانته، بل إعادة ترتيب لأولويات السيولة تحت ضغط الأسواق. وأشار إلى أن بقاء الذهب فوق مستويات الدعم بين 4100 و4200 دولار يبقي على فرص استمرار الاتجاه الصاعد على المدى الطويل، لا سيما مع استمرار مشتريات البنوك المركزية.

أحمد عقل، المحلل الاقتصادي، يرى أن قوة الدولار كانت عاملا رئيسيا في التراجع الحاد للذهب، وأن تثبيت الفائدة الأمريكية وتراجع توقعات الخفض عززا جاذبية العملة الخضراء والودائع والأدوات ذات العائد. وأشار إلى أن موجات التسييل أدت دورا مهما، لكنها تبقى محدودة زمنيا، إذ دفعت توقعات التهدئة أو المفاوضات بعض المستثمرين إلى بيع الذهب لجني الأرباح، فيما اتجه آخرون لاستغلال تراجع الأسهم العالمية وإعادة توجيه أموالهم نحو أصول منخفضة السعر.

أوضح عقل أن الحرب أدخلت "عامل التضخم" بقوة إلى المعادلة، فبدلا من أن تعمل التوترات الجيوسياسية وحدها لصالح الذهب، أدى الارتفاع السريع في أسعار النفط -مع تعطل نحو 20% من الإمدادات المارة عبر مضيق هرمز- إلى زيادة الضغوط التضخمية وتعزيز احتمالات تثبيت الفائدة أو رفعها، مما أثر على جاذبية الذهب أمام الدولار.

وفق هذا الطرح، فإن ما جرى لا يعكس خروجا للذهب من معادلة التحوط، بل تحولا مؤقتا في تفضيلات المستثمرين نحو الأصول الأعلى سيولة وعائدا.

في الوضع الراهن، لا يبدو الرهان على أداة واحدة كافيا، إذ يرى إرشيد أن الذهب الفعلي، مثل السبائك والعملات أو الصناديق المدعومة بالمعدن، يظل خيارا أكثر اتزانا لصغار المستثمرين مقارنة بالعقود الآجلة، نظرا لانخفاض مخاطر ضغوط الهامش والتقلبات الحادة. كما يشير إلى جاذبية السندات الحكومية قصيرة الأجل في الاقتصادات المتقدمة، مستفيدة من مستويات العائد المرتفعة الحالية.

يرى عقل أن أدوات التحوط لم تعد تقتصر على الذهب، بل تمتد إلى النقد القوي وبعض السندات المنتقاة، إلى جانب الأصول الحقيقية مثل العقار، مشددا على أن فاعلية كل أداة ترتبط بطبيعة الصدمة ومدى اتساع الحرب ومدتها. ويعكس ذلك، من منظور تحليلي، أن التحوط الأمثل في المرحلة الراهنة يقوم على التنويع لا التركيز، في ظل تعدد مصادر المخاطر بين الجيوسياسي والنقدي والطاقي.

المحلل الاقتصادي أحمد عقل يشير إلى أن مسار الذهب في المرحلة المقبلة سيتحدد وفق ثلاثة متغيرات رئيسية، هي أسعار الطاقة وعوائد السندات الأمريكية وسلوك البنوك المركزية. ويوضح أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار الضغوط الحالية إذا بقيت أسعار النفط والغاز مرتفعة، بالتوازي مع بقاء عوائد السندات الأمريكية قرب مستوياتها الأخيرة، وهو ما قد يدفع الذهب إلى التحرك في نطاق متذبذب أو اختبار مستويات دعم أدنى، خاصة إذا أكدت قراءات التضخم المقبلة استمرار الضغوط السعرية، في ظل ما تعكسه مؤشرات مارس من تسارع في تكاليف الإنتاج.

أما السيناريو الثاني، فيرتبط بانحسار نسبي في صدمة الطاقة أو تراجع الدولار والعوائد، بما يسمح للذهب باستعادة جزء من خسائره، مشيرا إلى أن تحركات السوق في 27 مارس أظهرت قدرة المعدن على الارتداد مع ظهور طلب شرائي عند المستويات المنخفضة، غير أن تحقق هذا المسار يظل مرهونا بتحسن بيئة الفائدة أكثر من كونه مرتبطا بالتطورات الجيوسياسية وحدها.

يضيف عقل أن سلوك البنوك المركزية يمثل عاملا حاسما أيضا، إذ قد تضطر بعض الدول المستوردة للطاقة إلى بيع جزء من احتياطياتها من الذهب لتغطية احتياجات النقد الأجنبي أو دعم عملاتها. ويستشهد في هذا السياق ببيانات أظهرت تراجع احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي التركي بأكبر وتيرة أسبوعية منذ عام 2018، عبر بيعه نحو 60 طنا من الذهب بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار، في تطور يعكس الضغوط التي تفرضها الحرب وتقلبات الأسواق.

تصميم و تطوير