رمضان وسؤال الضمير… هل نطعم الجوع أم نهدّئ شعورنا بالذنب؟

{title}
أخبار دقيقة -

عدنان نصّار

 

في شهرٍ تتعالى فيه أصوات الدعاء، وتتزيّن الشوارع بمظاهر الطمأنينة والفرح، وتزدحم البيوت برائحة الخبز الطازج وموائد الإفطار، يبقى سؤالٌ صغير في حجمه، عظيم في معناه: لمن نُعطي؟ ولأيّ غاية؟

رمضان ليس مجرد زمنٍ للصيام، بل مساحة واسعة لاختبار الضمير الجمعي. ومع كل صندوق إعاشة، وكل مائدة رحمن، وكل صورة تُلتقط ليدٍ تمتد بالعطاء، يتسلّل السؤال بهدوء: هل نطعم الجوع فعلاً، أم نُهدّئ شعوراً داخلياً بالذنب؟

لسنا أمام أزمة طعام بقدر ما نحن أمام أزمة عدالة.

الجوع لا يولد فجأة مع هلال رمضان، ولا يختفي مع إعلان العيد. هو نتيجة تراكمات اقتصادية، وسياسات تشغيل متعثّرة، واختلالات في توزيع الفرص، وواقع معيشي يزداد قسوة على الفئات الأضعف. وحين يتحوّل العطاء إلى موسم، يصبح الفقر موسماً أيضاً، وكأنّ كرامة الإنسان تُستدعى ثلاثين يوماً، ثم تُعاد إلى الهامش.

لا أحد يُنكر قيمة الصدقة، ولا أحد يقلّل من أثر المبادرات الفردية. إطعام الجائع فعل نبيل، يعكس حيوية المجتمع وتعاطفه. لكن الفرق كبير بين إطعام الجوع ومعالجة أسبابه. الأول إسعافٌ عاجل، والثاني مشروع إصلاح طويل النفس. الأول يُشبع معدة، والثاني يحفظ كرامة.

الفقير لا يريد أن يكون صورةً في حملة موسمية.

لا يريد أن يُختصر في رقمٍ على قائمة توزيع.

ولا أن يتحوّل إلى مشهدٍ عاطفي يُستخدم لقياس سخاء الآخرين.

هو يريد عملاً يحفظ ماء وجهه، ونظاماً يحميه من السقوط، وعدالةً تضمن له حقّه قبل أن تمنحه صدقة.

في رمضان، تتسابق المبادرات، وتكثر موائد الرحمن، ويعلو خطاب التكافل. وهذا مشهد جميل في ظاهره، يعكس بقايا دفءٍ في مجتمعٍ أنهكته الأزمات. لكن السؤال الأعمق يبقى مؤجلاً: ماذا بعد الهلال الأخير؟ ماذا بعد أن تُطوى الخيام وتُغلق قوائم التبرعات؟

هل تبقى يد العون ممدودة في تموز وآب كما في رمضان؟

هل يبقى الحديث عن العدالة الاجتماعية حيّاً كما يبقى الحديث عن فضل الصيام؟

أم أن الفقر يعود إلى صمته، ويعود المجتمع إلى انشغالاته، ويُترك الجوع ليدبّر أمره وحده؟

الدين لم يكن يوماً طقساً موسمياً.

هو منظومة عدل قبل أن يكون طقس عبادة.

والصوم في جوهره ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل انحيازاً أخلاقياً للمحرومين. فإذا تحوّل إلى مناسبة اجتماعية بلا أثرٍ اقتصادي أو إصلاحي، فقدنا المعنى واحتفظنا بالشكل.

المجتمع الذي يكتفي بتوزيع الطرود، دون مساءلة أسباب الفقر، يشبه طبيباً يوزّع المسكنات ويرفض تشخيص المرض.

والمؤسسات التي تكتفي بإدارة الإحسان، دون بناء سياسات تُقلّص الحاجة إليه، تُطيل عمر الأزمة بدل أن تنهيها.

سؤال الضمير لا يخص الأفراد وحدهم، بل يشمل الحكومات، والبرلمانات، والقطاع الخاص، ومنظومات الحماية الاجتماعية.

هل نريد مجتمعاً يعيش على الإحسان؟

أم دولة تقوم على العدالة؟

هل نسعى إلى ثوابٍ سريع، أم إلى نظامٍ لا يُنتج جوعاً من الأساس؟

الكرامة ليست تفصيلاً أخلاقياً.

هي جوهر الاستقرار الاجتماعي.

وكل مجتمع يسمح بأن يبقى جزء منه على حافة العوز، إنما يراكم هشاشةً ستنعكس عليه عاجلاً أم آجلاً.

رمضان فرصة نادرة لمراجعة الذات، ليس فقط على مستوى السلوك الفردي، بل على مستوى الخيارات العامة. فرصة لإعادة تعريف معنى التضامن:

الكرامة قبل الإعانة.

الحق قبل الصدقة.

العدالة قبل الاستعراض.

عندها فقط، لن يكون السؤال: من يسمع أنين الجوعى؟

بل كيف نجعل هذا الأنين غير ضروري أصلاً.

وذلك هو الامتحان الحقيقي… للضمير.

تصميم و تطوير