الانتماء والوطنية… حين تختلط القيم بالشعارات

{title}
أخبار دقيقة -

كتب ـ عدنان نصّار

في كل مرحلةٍ مفصلية من تاريخ الدول، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: ما معنى الانتماء؟ وكيف تُقاس الوطنية؟ وهل هما شعوران فطريان لا يحتاجان إلى تعريف، أم مفهومان سياسيان يجري توظيفهما بحسب السياق والمصلحة؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة في واقع عربي تتزايد فيه المسافات بين الدولة ومواطنيها، وتتآكل فيه الثقة العامة لصالح خطابٍ مشحون بالعواطف، فقيرٍ بالمعنى.

الانتماء، في تعريفه الأعمق، ليس مجرد علاقة جغرافية بالمكان، ولا ارتباطًا عاطفيًا عابرًا بالعلم أو النشيد. إنه إحساس متراكم بالمسؤولية تجاه الناس والذاكرة والتاريخ المشترك، شعور يتكوّن من تفاصيل الحياة اليومية: من المدرسة والشارع، من العدالة في الفرص، ومن الإحساس بأن هذا الوطن، رغم قسوته أحيانًا، لا يتخلى عن أبنائه. وحين يضعف هذا الإحساس، لا تُجدي محاولات فرض الانتماء عبر الخطاب أو العقاب.


أما الوطنية، فهي الوجه العملي للانتماء، وهي سلوك قبل أن تكون موقفًا، وممارسة قبل أن تكون هتافًا. وطنية المسؤول في أمانته، ووطنية الصحفي في صدقه، ووطنية المواطن في احترامه للقانون، كما في حقه بالسؤال والمساءلة. غير أن هذا المعنى الواسع غالبًا ما يُختزل في مشهدٍ واحد: مشهد الاصطفاف. ومن يخرج عنه، يُصنَّف خارج الدائرة، أو يُنعت بصفات جاهزة لا تحتمل النقاش.

لقد أُسيء استخدام مفهوم الوطنية في غير دولة عربية، حين جرى تحويله من قيمة أخلاقية جامعة إلى أداة سياسية ضيقة. فصار النقد خيانة، والاحتجاج تشكيكًا، والمطالبة بالإصلاح ترفًا غير وطني. في هذا السياق، لم تعد الوطنية مساحة مشتركة تجمع المختلفين، بل سيفًا مسلطًا على رقابهم، يُشهر عند أول اختلاف في الرأي، ويُغمد عند الفشل أو التقصير.

الأخطر من ذلك أن هذا الاستخدام الانتقائي أفرغ المصطلحين من مضمونهما الإنساني، وحوّلهما إلى شعارات استهلاكية تُرفع في المناسبات، وتُنسى في السياسات. فالوطنية التي لا تحمي الفقير، ولا تُنصف المهمّش، ولا تفتح أفق الأمل أمام الشباب، تتحول مع الوقت إلى خطابٍ بلا جذور، سرعان ما يتآكل أمام أول أزمة حقيقية.

الوطنية الحقة لا تتناقض مع النقد، بل تقوم عليه. وهي لا تخاف من السؤال، لأن السؤال دليل انتماء، لا علامة تمرّد. فالمواطن الذي يسأل عن حقه في العمل، أو في التعليم، أو في العدالة، لا يفعل ذلك لأنه يكره وطنه، بل لأنه يخاف عليه. والخوف على الوطن، حين يكون صادقًا، أرقى درجات الانتماء.

كما أن الانتماء لا يعني الصمت الدائم، ولا القبول غير المشروط، بل المشاركة الواعية في الشأن العام. فالسكوت عن الخطأ ليس حيادًا، بل تخلٍّ، وتبرير الفشل باسم الوطنية إساءة للوطن قبل أن يكون إساءة للحقيقة. بين الولاء الأعمى والعداء الصريح مساحة واسعة، يقف فيها أغلب المواطنين، وهم يحملون قلقًا مشروعًا على حاضرهم ومستقبل أبنائهم.

إن إعادة الاعتبار لمفهومي الانتماء والوطنية تبدأ من الاعتراف بأن الوطن ليس ملكًا لفئة، ولا حكرًا على خطاب واحد. الوطن عقدٌ أخلاقي غير مكتوب، قوامه العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص، وحين يختل هذا العقد، لا تنفع الخطب ولا الشعارات في ترميمه. فالأوطان لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا تُحمى بالقمع، بل تُبنى بالثقة المتبادلة.

في المحصلة، نحن بحاجة إلى وطنيةٍ تُشبه الناس، لا تُخيفهم، وانتماءٍ يُشبه الحياة، لا يُختزل في لحظة غضب أو اصطفاف. وطنيةٍ ترى في النقد فرصة للإصلاح، لا مؤامرة، وفي الاختلاف مصدر قوة، لا تهديدًا. فالأوطان التي لا تسمع أبناءها، قد تسمع ضجيج سقوطها، متأخرًا.

كاتب وصحفي أردني




















تصميم و تطوير