الحرب القادمة على الذكاء الاصطناعي: من يملك مفاتيح المستقبل؟

{title}
أخبار دقيقة -
كتب - وائل منسي

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُخاض بالجيوش وحدها، ولا تُحسم بالسيطرة على الأرض أو الموارد التقليدية.
 الصراع الحقيقي اليوم يدور في فضاء غير مرئي، لكنه أشد خطورة: فضاء التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، والشرائح الإلكترونية فائقة الدقة، والحوسبة المتقدمة.
في الماضي القريب، كان امتلاك المصانع وخطوط الإنتاج الثقيلة معياراً للقوة الاقتصادية.
 أما اليوم، فقد فقد هذا المعيار جوهره. 
صناعة السيارات، على سبيل المثال، باتت متاحة لأي دولة تقريباً، ولم تعد مؤشراً على التفوق النوعي. 
 ما يحدد القوة الآن هو القدرة على التحكم بالتقنيات التي لا يستطيع الجميع إنتاجها، والتي تحتاج إلى معرفة تراكمية، وبنية بحثية معقدة، وقرار سيادي طويل النفس.
من هذا المنطلق، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى سلاح استراتيجي.
  ليس لأنه يحسن الكفاءة فقط، بل لأنه يعيد تعريف مفاهيم الإنتاج، والقرار، والأمن، وحتى السيادة الوطنية.
 الدولة التي تملك الخوارزميات المتقدمة، والقدرة على تدريبها، والتحكم بمدخلاتها، تملك عملياً قدرة غير مسبوقة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والحرب معاً.
هنا تحديداً، تبرز الصين باعتبارها التحدي الأكبر للنموذج الغربي. فسياسات الحصار التكنولوجي التي فُرضت عليها، خصوصاً في مجال تكنولوجيا النانو والشرائح الإلكترونية فائقة الجودة، لم تُفضِ إلى إبطاء تقدمها كما كان مأمولاً.

 على العكس، دفعت بكين إلى تسريع مسار التصنيع المحلي وبناء منظومة تكنولوجية أكثر استقلالاً. 
فإطلاق شركات صينية، مثل هواوي، لتقنيات نانو محلية، ليس اختراقاً تقنياً فحسب، بل رسالة سياسية واضحة: زمن الاعتماد القسري قد انتهى.
قد لا تكون الصين وصلت بعد إلى مستوى الولايات المتحدة أو تايوان في دقة الرقائق، لكن الاتجاه الاستراتيجي لا لبس فيه. بكين تبني، خطوة خطوة، سلسلة قيمة متكاملة تمتد من الشرائح الإلكترونية إلى الحواسيب الفائقة، وصولاً إلى الحوسبة الكمومية. 
وهذه ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على انتقال محتمل في ميزان القوة العالمي خلال العقد القادم.
في المقابل، تحاول الولايات المتحدة إدارة هذا التحدي عبر أدوات تقليدية: قيود تصدير، رسوم جمركية، تضييق أكاديمي، ومحاولات ضبط تدفق المعرفة، بما في ذلك تقليص وجود الطلبة الصينيين في جامعاتها. غير أن هذه السياسات تصطدم بحقيقة أساسية: المعرفة في عصر العولمة الرقمية لم تعد قابلة للحصار.
 الجامعات الصينية اليوم أصبحت مراكز بحثية متقدمة، قادرة على إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط.
ولا يقتصر الصراع على الذكاء الاصطناعي وحده. 
فالتنافس يمتد إلى تقنيات الطاقة المستقبلية، وخصوصاً البطاريات الصلبة وبطاريات الصوديوم، التي يُتوقع أن تُحدث انقلاباً في قطاعات النقل والطاقة والتخزين. 
هذه التحولات، حين تنضج، ستعيد رسم الخريطة الصناعية العالمية، وستمنح من يمتلكها تفوقاً اقتصادياً طويل الأمد.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس خلافاً تجارياً ولا سباقاً تقنياً معزولاً، بل صراعاً استراتيجياً على مفاتيح المستقبل.
 صراع تُستخدم فيه أدوات الاقتصاد، والتعليم، والتكنولوجيا، بقدر ما تُستخدم فيه أدوات السياسة التقليدية. 
والرهان فيه ليس على من يربح جولة هنا أو هناك، بل على من يضع القواعد، ويحدد المعايير، ويقود العالم في عصر ما بعد الصناعة التقليدية.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن إيقاف الصين؟ بل هل يمكن احتكار المستقبل في عالم تتسارع فيه المعرفة وتتآكل فيه أدوات المنع؟


تصميم و تطوير