نداء شرارة… صوتٌ أردنيّ خرج من الوجع إلى الضوء

{title}
أخبار دقيقة -
كتب ـ فايز الشاقلدي 

   في المشهد الفني العربي، قلّما يمرّ اسمٌ دون أن يترك أثرًا، غير أنّ نداء شرارة استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة خاصة، لا تقوم فقط على قوة الصوت، بل على الحكاية الإنسانية التي تسكنه. 
 هي الفنانة الأردنية التي خرجت من الهامش إلى المتن، ومن التجربة الشخصية القاسية إلى منصة النجومية العربية، حاملةً معها صدقًا نادرًا جعل الجمهور يرى فيها أكثر من مغنية… رأى إنسانة تشبهه.

وُلدت نداء شرارة في عمّان، ونشأت في بيئة بسيطة، لم تكن الموسيقى فيها ترفًا، بل ملاذًا ، منذ سنواتها الأولى، بدا واضحًا أنّ صوتها يحمل نبرة مختلفة، فيها حزن شفيف وقوة داخلية، كأنها تغني لتنجو. 
 لم تكن الطريق سهلة، فالحياة وضعت أمامها اختبارات قاسية، أبرزها معركتها الصحية مع المرض، التي شكّلت محطة مفصلية في وعيها الفني والإنساني. تلك التجربة لم تكسرها، بل أعادت تشكيلها، وصقلت إحساسها، وجعلت صوتها أكثر عمقًا وصدقًا.

التحوّل الكبير في مسيرتها جاء مع مشاركتها في برنامج Arab Idol عام 2015، حيث لم تدخل المنافسة بوصفها هاوية تبحث عن الشهرة، بل كفنانة تعرف تمامًا لماذا تقف على المسرح. 
  منذ إطلالتها الأولى، لفتت الأنظار بقدرتها على تطويع الصوت، وباختياراتها الغنائية التي كشفت عن ذائقة موسيقية ناضجة. لم تكن تعتمد على الاستعراض، بل على الإحساس، وهو ما جعل أداءها يصل مباشرة إلى قلوب المشاهدين.

فوز نداء شرارة بلقب Arab Idol لم يكن مجرد تتويج لموهبة صوتية، بل اعتراف عربي بقصة كفاح. كانت أول أردنية تحصد هذا اللقب، فحملت معها فرح الشارع الأردني، ورفعت اسم بلدها عاليًا في واحدة من أكثر المسابقات مشاهدة في العالم العربي. 
 ذلك الفوز فتح لها أبوابًا واسعة، لكنه في الوقت ذاته وضعها أمام مسؤولية أكبر: أن تحافظ على صدقها الفني وسط ضغوط السوق.

في أعمالها اللاحقة، سعت نداء إلى بناء هوية موسيقية متوازنة، تجمع بين الطرب الأصيل والروح المعاصرة ، لم تنجرف كليًا وراء الأغنية السهلة، ولم تنغلق في قوالب كلاسيكية جامدة.
   اختارت أن تكون نفسها، بصوتها القوي وأدائها الصادق، حتى وإن كان ذلك أبطأ طريقًا إلى الانتشار ، فالفن، بالنسبة لها، موقف قبل أن يكون منتجًا.

إن ما يميز نداء شرارة ليس فقط خامة صوتها القادرة على الانتقال بسلاسة بين المقامات، بل حضورها الإنساني على المسرح. حين تغني، تبدو كأنها تحكي، وكأن كل أغنية جزء من سيرتها. لا تضع حواجز بينها وبين الجمهور، بل تفتح قلبها، وتترك للصوت أن يقول ما تعجز الكلمات عن شرحه. وربما لهذا السبب، يجد المستمع نفسه قريبًا منها، يشعر أن الأغنية موجّهة له شخصيًا.

على الصعيد الإنساني، لم تنفصل نداء عن قضايا الناس، ولا عن تجربتها الشخصية مع المرض والتحدي. كثيرًا ما عبّرت عن إيمانها بأن الفن رسالة أمل، وأن الصوت يمكن أن يكون وسيلة شفاء، كما كان لها يومًا. هذه القناعة انعكست في اختياراتها، وفي طريقة تعاملها مع جمهورها، حيث تحرص على أن تكون صورة الفنانة القريبة، الصادقة، غير المتعالية.

اليوم، تقف نداء شرارة كإحدى الأصوات النسائية المهمة في المشهد الغنائي العربي، تمثل الأردن بخصوصية واضحة، وتقدّم نموذجًا لفنانة صنعت نفسها بالصبر والإصرار. هي ليست ابنة الصدفة، بل ابنة التجربة، وصوتها ليس عابرًا، بل محمّل بالذاكرة والألم والرجاء.

نداء شرارة تذكّرنا بأن الفن الحقيقي لا يولد من الفراغ، بل من الحياة نفسها، من انكساراتها وانتصاراتها الصغيرة. هي شهادة حيّة على أن الصوت حين يكون صادقًا، يستطيع أن يعبر كل الحدود، وأن يصل، مهما كانت البداية بعيدة
تصميم و تطوير