اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أمانة عمّان... الثقافة من عمل المدينة كتبت الاعلامية دعاء مامون خلف

{title}
أخبار دقيقة -



لا تكتمل المدينة حين تصلح شوارعها وتضاء طرقها فقط. يحتاج الناس أيضًا إلى مكان يلتقون فيه، وطفل يجرب الوقوف على خشبة، وفنان يجد جدارًا يعرض عليه عمله، وشاعر يقرأ قصيدته، وموسيقي كبير يظل حاضرًا رغم تقدم العمر. هذه جوانب أساسية من حياة عمّان.
لهذا أرى الدور الثقافي الذي تقوم به أمانة عمّان جزءًا أصيلًا من مسؤوليتها عن المدينة. فالأمانة تملك شبكة من المرافق تشمل بيت الفن الأردني، وبيت حبيب الزيودي للشعر، وجاليري رأس العين، ومجمع الأشرفية الثقافي، ومتحف حابس المجالي، وشارع الثقافة في الشميساني، وبيت الرواد، إلى جانب فرقها الفنية. وجود هذه الأماكن يتجاوز جمع مبانٍ تحت إدارة واحدة؛ فهي توفر بنية يستطيع الفن والعمل المجتمعي أن يتحركا داخلها طوال العام.
أنا منحازة إلى هذا الدور، لا لأن شواهده الحالية كثيرة فقط، بل لأن علاقتي به بدأت منذ طفولتي. ما تزال في ذاكرتي الساعات التي كنت أقضيها طفلة في المكتبة العامة التابعة لأمانة عمّان، أقرأ بسعادة كتبًا لم تكن تصل إلى يدي خارج تلك المكتبة. لم تكن المعرفة يومها تصل بضغطة زر كما يحدث الآن، وكان توفير الكتاب واقتناؤه وحفظه وإتاحته للناس مسؤولية كبيرة تتولاها المؤسسة العامة. ولست وحدي في هذه الذاكرة؛ فكثيرون من أبناء جيلي بدأت علاقتهم بالقراءة والثقافة من مكتبة الأمانة، وتعرفوا فيها إلى كتب وأفكار لم تكن في متناولهم في مكان آخر. لذلك، حين أتحدث عن دور أمانة عمّان الثقافي، لا أتحدث عن برامج اليوم وحدها، بل عن علاقة قديمة بين المدينة وأبنائها، بدأت بالكتاب وما تزال تتخذ أشكالًا أخرى.
هذا الدور الذي عرفناه في المكتبة لم يبق محصورًا بين رفوفها. ففي بيت الفن، دخل الأطفال واليافعون إلى التدريب المسرحي بدل أن يبقوا في مقاعد المشاهدة، واستخدم مسرح الرحالة الحديقة والأشجار والدرج والجدران ليقدم عروضه. وفي مجمع الأشرفية، وجدت جمعيات ومؤسسات وطنية قاعات تقيم فيها برامجها، من تدريب الأشخاص ذوي الإعاقة على صناعة الفسيفساء إلى ورش الصحة والبيئة والأسرة. جاءت الأفكار والخبرات من جهات مختلفة، وتولت الأمانة توفير المكان والتنظيم وجمع الشركاء، حتى تنتقل هذه الأفكار من الورق إلى الناس.
قد يبدو توفير القاعة عملًا إداريًا عاديًا. قيمته تظهر حين نعرف أن هناك من يملك المبادرة ولا يملك المكان. المسرحي يحتاج إلى مساحة للتدريب، والجمعية تحتاج إلى منفذ تصل من خلاله إلى المجتمع، والفنان التشكيلي يحتاج إلى مكان يرى الناس فيه عمله. حين تضع الأمانة مرافقها في خدمة هؤلاء، فإنها تستخدم ما تملكه المدينة لصالح من يعيشون فيها.
ويمتد هذا الدور عبر أعمار وتجارب مختلفة. طفل بيت الفن يحصل على فرصة ليبدأ، بينما يعيد بيت الرواد كبار الموسيقيين والمطربين الأردنيين إلى الخشبة في أمسيات شبه أسبوعية داخل مركز الحسين الثقافي. يمنحهم المشروع فرصة الاستمرار في الغناء والعزف وتقديم خبرتهم، ويحفظ للفنان مكانه داخل المهنة التي أمضى عمره فيها. بين البداية والاستمرار، يظهر دعم يتعامل مع الفن كمسار طويل لا كلحظة شهرة عابرة.
وفي جانب آخر، تعمل مرافق الأمانة على إبقاء ذاكرة المدينة حاضرة. استضاف بيت حبيب الزيودي تسعة شعراء أردنيين خلال ثلاث ليال، فاستمر حضور الشعر في المكان المرتبط بأحد أبرز أصواته. وفتح متحف حابس المجالي مقتنياته على حديث عن دور الجيش العربي في حروب فلسطين. أما جاليري رأس العين واقتناء الأعمال التشكيلية، فيمنحان الفنان مساحة للعرض والدعم، ويضيفان إلى ما تحتفظ به المدينة من أعمال أبنائها. وتخرج فرقة أمانة عمّان للفلكلور إلى الجامعات والمؤسسات والهيئات الثقافية من دون مقابل، فتأخذ جزءًا من هذا الدور إلى خارج مباني الأمانة. 
هذه الأعمال تتجاوز الفنان إلى المجتمع المحيط بالمرفق. ما يستحق الانتباه في تجربة مجمع الأشرفية هو اجتماع الثقافي والاجتماعي والصحي والتوعوي تحت سقف واحد. محاضرة عن دمج الأشخاص ذوي الهمم في الرياضة، وبرنامج بيئي استمر ستة أيام، وورشة حول سرطان الثدي، وتدريب على الفسيفساء، وفعاليات تنفذ بالشراكة مع اللجنة البارالمبية ومؤسسة ولي العهد ومركز الحسين للسرطان والأمن العام وجمعيات المجتمع المحلي. بهذه البرامج يقترب العمل الثقافي من حياة الناس، ويتحول المرفق إلى مكان يستجيب لما تحتاج إليه المنطقة.
حين تتكرر الأمسيات أسبوعيًا، وتمتد بعض البرامج أيامًا، وتتحرك الأنشطة بين المسرح والشعر والتشكيل والموسيقى والذاكرة والعمل المجتمعي، فهذا يدل على عمل مستمر يتجاوز المناسبة المؤقتة. الأمانة تساند هذا المشهد بالمكان والتنظيم والشراكات والاقتناء والفرق التابعة لها، ويتوزع أثر هذه المساندة بين جهات وأشخاص وتجارب عديدة.
لهذا لا أرى إنصافًا في اختزال أمانة عمّان في خلل يقع داخل مرفق من مرافقها. إن ثبت الخلل، فإصلاحه واجب، ولا تمنح الفعاليات الثقافية أي مؤسسة حق تجاهله. وفي المقابل، لا يتحول الخطأ إلى تعريف كامل للمؤسسة أو حكم يمحو مسارًا من العمل المتواصل. نقد المؤسسة العامة حق وضرورة، وتتحقق عدالته حين يرى الخطأ ويطالب بمعالجته من دون أن يترك الصورة كاملة خارجه. أمانة عمّان مطالبة بمسؤولياتها الخدمية والثقافية معًا، وما تنجزه في إحداهما لا يعفيها من الأخرى، ولا يسمح بإلغاء أي منهما.
موقفي هنا لا يتعلق بأسماء المسؤولين ولا بالبيانات الرسمية. أنا أنحاز إلى وجود مؤسسة كبيرة تفتح مرافقها أمام الفن والمجتمع، وتمنح هذا العمل قدرة أكبر على الاستمرار والوصول.
قد لا يبدو فتح قاعة أو تدريب طفل أو عودة مطرب كبير إلى الخشبة حدثًا يغير المدينة في يوم واحد. قيمة هذه الأعمال تظهر مع تراكمها: مكان يظل مفتوحًا، وفنان يجد من يسانده، وجمعية تستطيع تنفيذ مبادرتها، وذاكرة تحظى بمن يرعاها.
لهذا أضع أمانة عمّان في مكانها الحقيقي: مؤسسة تعمل للمدينة، والثقافة جزء واضح من هذا العمل. وما تقدمه للفن والفنانين والمجتمع يستحق الإنصاف والدعم
تصميم و تطوير