اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

وهم الهيمنة الغربية.. المحاولة الأخيرة للوكيل الاستعماري!!! بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة

{title}
أخبار دقيقة -

في قراءتنا المستمرة للتحولات التاريخية التي تعصف بمنطقتنا العربية، ومن خلال التوثيق الاستراتيجي لمسيرة الصراع مع الاستعمار الغربي، ندرك تماماً أن السعي للسيطرة على بلادنا العربية ليس طارئاً، بل عقيدة استراتيجية راسخة. فالغرب لم ينظر إلى العالم العربي يوماً إلا كخزان للطاقة وشريان للحركة الاقتصادية العالمية، ورقعة شطرنج جيوسياسية يُحكم من خلالها السيطرة، مبرراً ذلك بنظرة استشراقية فوقية تحاول تسويق وصايته على شعوب المنطقة.

ومع انحسار حقبة الاستعمار العسكري المباشر في القرن الماضي تحت ضربات الرفض الشعبي وحركات التحرر الوطني، لجأ الغرب إلى استراتيجية "الاستعمار الجديد". 
فكان زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي بمثابة إنشاء وكيل استعماري وقاعدة عسكرية متقدمة، وظيفته الأساسية إبقاء المنطقة في حالة تفتيت، وكبح أي نهضة عربية حقيقية تهدد المخطط الأجنبي.

غير أن المشهدين العالمي والإقليمي دخلا مرحلة مفصلية غير مسبوقة عقب هجوم السابع من أكتوبر؛ إذ شكل هذا الحدث التاريخي زلزالاً جيوسياسياً كشف بعمق عن مدى ضعف وهشاشة هذا الكيان الوظيفي، وأسقط أسطورة الردع والتفوق التي روّج لها الإعلام الغربي لعقود. 
لقد أثبتت التطورات العاصفة أن هذا الكيان بات يعتمد اعتماداً مطلقاً على "إبر الحياة" والدعم الدبلوماسي والعسكري والمالي المكثف الذي تضخه القوى الغربية في محاولة يائسة لإطالة عمره الزمني وترميم بنيته المتهالكة.

وفي خضم هذا الانكشاف، تجلى النفاق الغربي السافر والمعايير المزدوجة في أبشع صورها؛ ففي الوقت الذي سارعت فيه العواصم الغربية لإدانة هجوم السابع من أكتوبر وشيطنة مقاومة مشروعة ضد كيان احتلالي إحلالي وعنصري بغيض، تزخر أدبياتهم السياسية والتاريخية وتتفاخر بالإشادة بمقاومة الشعب الفرنسي للاحتلال النازي لفرنسا في أربعينيات القرن الماضي وتعتبرها بطولة ورمزاً للحرية. 
إن هذا التناقض المكشوف يثبت أن الغرب لا يقيس حقوق الشعوب في التحرر بمعيار المبادئ الإنسانية، بل بمعيار مصالحه الاستعمارية وحماية وكلائه.

ولم يعد إدراك هذه الحقيقة مقتصراً على وعي شعوبنا، بل إن زلزال السابع من أكتوبر أحدث تحولاً جذرياً داخل عقر دار الفكر الاستراتيجي الغربي نفسه. 
فبعد هذا الحدث المفصلي، تصاعدت أصوات مفكرين ومنظرين استراتيجيين غربيين بارزين لتتنبأ صراحة بحتمية زوال هذا الكيان، معتبرين أن ما جرى أسقط نهائياً مبرر وجوده. نجد ذلك جلياً في القراءة التحليلية التي طرحها الكاتب والمفكر الأمريكي كريس هيدجز (Chris Hedges) أواخر عام 2023، حين أكد أن الرد الإسرائيلي الدموي على أحداث ٧ أكتوبر يمثل فعلياً "نهاية المشروع الصهيوني"، وأن الكيان يرتكب انتحاراً سياسياً وأخلاقياً سيعجل بزواله من الداخل.

ويتوافق معه الدبلوماسي والمفكر الاستراتيجي البريطاني أليستير كروك (Alastair Crooke) ، الذي ركز في تحليلاته المتعاقبة بعد السابع من أكتوبر على أن الكيان فقد وظيفته الأساسية كقاعدة متقدمة للغرب، بعد أن تحطمت قوة ردعه للأبد وفشل في كسر إرادة المقاومة، مؤكداً أن نموذج "الردع الغربي" في المنطقة قد انهار تماماً. 
بل إن منظراً بارزاً في مدرسة الواقعية السياسية الأمريكية مثل جون ميرشايمر (John Mearsheimer) ، صرح في تحليلاته لما بعد أحداث أكتوبر، أن إسرائيل تواجه "كارثة استراتيجية" غير مسبوقة، وأنها فقدت مكانتها وباتت عبئاً استراتيجياً ثقيلاً لا يمكن للغرب الاستمرار في الدفاع عنه مستقبلاً.

لقد أثمرت هذه الأحداث الكبرى صحوة وعي حقيقية لدى الشعوب العربية، التي باتت تدرك اليوم —أكثر من أي وقت مضى— طبيعة وحجم المؤامرات الغربية متصلة الحلقات، والتي استهدفت مقدرات الأمة وسلبت إرادتها منذ مطلع القرن العشرين.

وختاماً، 
إن الرسالة الأهم التي يجب أن نعيها اليوم هي أن على الشعوب العربية أن تدرك أولاً طبيعة وجوهر الصراع الذي تعيشه مع الغرب؛ فهو صراع حضاري بالدرجة الأولى، وليس مجرد صراع على الموارد أو الحدود. فالعقل الاستراتيجي الغربي لا يزال يرتعب خوفاً من استنهاض مارد الحضارة العربية والإسلامية التي أنارت العالم وحكمته لقرون خلت. 

ولنا في صفحات التاريخ عبرة؛ فمنذ الحروب الصليبية وحتى يومنا هذا، وبعد كل محاولة غاشمة لغزو البلاد العربية والسيطرة على مقدراتها، كان الغرب يخرج في النهاية يجر أذيال الخيبة والانكسار أمام صمود الأمة. 
إن هذه المحاولة الأخيرة للغرب عبر وكيلهم الاستعماري لن يكون مصيرها مختلفاً، فإرادة الشعوب الحية هي وحدها القادرة على طي صفحة هذا الكيان الوظيفي واستعادة زمام المبادرة الحضارية إلى غير رجعة.
تصميم و تطوير