الوعي النفسي والمساعدة الذاتية: هل يكفي الفرد لعلاج نفسه دون طبيب؟
أظهرت دراسات واستطلاعات عالمية أن البحث عن المعلومات النفسية عبر الإنترنت أصبح سلوكا شائعا. حيث أن ثلثي إلى ثلاثة أرباع المصابين باضطرابات نفسية في الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط لا يتلقون العلاج المتخصص. وكشفت تقديرات منظمة الصحة العالمية والجهات المعنية بالصحة النفسية في هذه البلدان عن هذا الفراغ الذي يدفع الكثيرين للبحث عن بدائل للمساعدة الذاتية من خلال القراءة والمشاهدة وحضور الندوات الإلكترونية.
في الويبنار الأخير للطبيب النفسي الكندي جابور ماتي، تطرق إلى موضوع التعافي من اضطراب كرب ما بعد الصدمة، مما يبرز أهمية الوعي بعلامات القلق والاكتئاب. ومع اتساع نطاق المعرفة حول أعراض الاضطرابات النفسية، يبقى السؤال: هل تكفي هذه المعرفة للتشافي؟ وهل يمكن الاستغناء عن زيارة الطبيب المتخصص؟
تعرف الخبراء الوعي النفسي بأنه المعرفة والمعتقدات حول الاضطرابات النفسية التي تساعد في التعرف عليها أو إدارتها أو الوقاية منها. ووفق دراسات منشورة، تشمل هذه المعرفة مجموعة من القدرات المحتملة، مثل التعرف المبكر على الاضطرابات ومعرفة استراتيجيات المساعدة الذاتية الفعالة.
لا يقتصر الوعي النفسي على حفظ المصطلحات أو متابعة محتوى متخصص، بل يتعلق بقدرة عملية على اتخاذ قرارات أفضل تخص النفس والآخرين. ومع ذلك، تشير دراسات إلى أنه بالرغم من جهود محو الأمية النفسية، إلا أن شرائح واسعة من الجمهور لا تزال عاجزة عن التعرف على الاضطرابات، مما يعيق قبول الناس للعلاج النفسي.
في السنوات الأخيرة، حصل تحول في كيفية التعامل مع الصحة النفسية، حيث أصبح محتوى الصحة النفسية على وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة متزايدة. هذا التحول قد يساهم في طلب المساعدة النفسية، حتى مع وجود تشخيص ذاتي مسبق. ولكن قد يطرح هذا الأمر تساؤلات حول الحدود بين المساعدة الذاتية والتعافي الذاتي.
أثار إعلان لمدونة مصرية جدلا بعد تقديم استشارات نفسية مقابل مبلغ مالي، رغم عدم امتلاكها مؤهلات علمية. وهذا يعيد طرح سؤال: ما هو الحد الفاصل بين المساعدة الذاتية وتقديم الخدمة النفسية للآخرين؟
يؤكد الدكتور محمد عبد الحليم صالح، المعالج النفسي، أن هناك فارق كبير بين المساعدة الذاتية والتعافي الذاتي، مشددا على أهمية الوعي والثقافة النفسية لدى الشخص. بعض المشكلات البسيطة يمكن التعامل معها ذاتيا، بينما تتطلب الاضطرابات النفسية الشديدة خطة علاجية متكاملة.
في سياق آخر، تشير مؤسسات طبية متخصصة إلى أن معظم الأمراض النفسية لا تتحسن تلقائيا، وأن تجاهل الأعراض قد يؤدي إلى تفاقمها. لذلك، يصبح طلب المساعدة المتخصصة أمرا ضروريا، خاصة في حالات مثل الأفكار الانتحارية.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: في أي مستوى من المعاناة تكفي المساعدة الذاتية؟ ومتى يصبح الذهاب إلى المختص استثمارا حقيقيا في الحياة والصحة؟
