اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الزميل عدنان نصار بكتب.. «ما وُلد من رحم هذه البلاد الأصيلة… لا يُهزم ولا يُكسر»… الملك عبدالله الثاني ورسالة الاستقلال التي تُشبه الأردنيين

{title}
أخبار دقيقة -




في لحظاتٍ وطنيةٍ فارقة، لا تكون الكلمات مجرد عباراتٍ تُقال في مناسبة، بل تتحوّل إلى مرآةٍ لوجدان شعب، وإلى عنوانٍ لمرحلة، ورسالةٍ تتجاوز حدود الاحتفال إلى عمق المعنى. هكذا بدت كلمة  الملك عبدالله الثاني بمناسبة عيد الاستقلال، حين قال: «ما وُلد من رحم هذه البلاد الأصيلة لا يُهزم ولا يُكسر»، وهي عبارةٌ لم تمرّ كجملةٍ خطابية عابرة، بل استقرّت في وجدان الأردنيين بوصفها وصفًا دقيقًا لحكاية وطنٍ تعلّم أن يقف كلّما اشتدّت عليه الرياح.
فالأردن، منذ البدايات الأولى، لم يكن بلدًا مدلّلًا بالظروف السهلة، ولا دولةً صنعتها الوفرة أو الاستقرار الإقليمي. بل كان وطنًا تشكّل وسط عواصف الجغرافيا والسياسة، ونشأ على فكرة الصمود أكثر من فكرة الرفاه، وعلى الإيمان بالدولة أكثر من الارتهان للأزمات. لذلك، حين يتحدّث الملك عن أبناء هذه البلاد بأنهم لا يُهزمون ولا يُكسرون، فإنّه لا يستدعي خطابًا عاطفيًا بقدر ما يستحضر تاريخًا طويلًا من القدرة على تجاوز المحن.
ولعلّ ما يمنح هذه العبارة قوتها أنّها جاءت في زمنٍ مثقلٍ بالأسئلة والضغوط؛ اقتصاد يضغط على الأسر، وإقليمٌ مضطرب، ومواطنٌ يواجه تفاصيل الحياة اليومية بشيءٍ من التعب والصبر معًا. ومع ذلك، يبقى الأردني، كما أراده وطنه دائمًا، واقفًا على قدميه، يُخفي وجعه أحيانًا، لكنّه لا يسمح لليأس أن يهزم روحه.
الاستقلال في معناه الحقيقي، لا يُقاس فقط برايةٍ ترتفع أو احتفالٍ رسمي، بل بقدرة الشعوب على حماية كرامتها الوطنية والإنسانية. والأردنيون، رغم قسوة الظروف، ما زالوا يحملون تلك الصفة التي أشار إليها الملك: صلابةٌ هادئة، لا ضجيج فيها، لكنها تشبه الجبال التي تقف بصمتٍ طويل.
إنّه استقلالٌ يُشبه عنادنا الجميل كأردنيين؛ عنادُ الذين لا يُساومون على وطن، ولا يبيعون تعب السنين مهما اشتدّت الضغوط. ففي هذه البلاد، لم يكن البناء يومًا طريقًا سهلًا، بل مسيرةٌ طويلة من الصبر والإيمان والعمل. ورغم ما تعترضنا من تحدّياتٍ اقتصاديةٍ وسياسية، يبقى الأردني مؤمنًا بأنّ الصعاب لا تُثنيه عن استكمال البناء، وأنّ الوطن الذي قام على أكتاف الآباء والأجداد، يستحق أن نحمله بمحبةٍ ومسؤوليةٍ نحو الغد.
وحين قال الملك: «ما وُلد من رحم هذه البلاد الأصيلة لا يُهزم ولا يُكسر»، بدا وكأنّه يكتب سطرًا جديدًا في الرواية الأردنية؛ رواية الناس البسطاء الذين يذهبون إلى أعمالهم رغم التعب، والأمهات اللواتي يُخفين القلق خلف الدعاء، والشباب الذين ما زالوا يؤمنون بأن الغد يستحق المحاولة، والجنود الواقفين على الحدود ليبقى الوطن مطمئنًا.
غير أنّ الرسائل الوطنية الكبرى لا تكتمل إلا حين تتحوّل إلى مسؤولية مشتركة؛ فكما أنّ المواطن مطالبٌ بالإيمان بوطنه، فإنّ الدولة أيضًا مطالبة بأن تُترجم هذا الإيمان إلى سياساتٍ تُخفف الأعباء، وتمنح الناس شعورًا أكبر بالعدالة والطمأنينة. لأنّ الشعوب القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على الاحتمال، بل بقدرتها على الشعور بأن تعبها مفهوم، وأن صبرها ليس بلا أفق.
في عيد الاستقلال، يعود الأردنيون كلّ عام إلى السؤال ذاته: كيف بقي هذا الوطن واقفًا رغم كلّ شيء؟ وربّما يأتي الجواب هذه المرّة من عبارة الملك نفسها؛ لأنّ الذين وُلدوا من رحم هذه البلاد الأصيلة، تعلّموا منذ زمنٍ بعيد أنّ الانكسار ليس خيارًا، وأنّ الأردن، مهما ضاقت به الظروف، يعرف دائمًا كيف ينهض… بهدوء الواثقين، وكبرياء الذين لا يُهزمون.
تصميم و تطوير