في ذكرى النكبة… حين يصبح الوطن حقيبة سفرٍ لا تنتهي كتب عدنان نصّار

{title}
أخبار دقيقة -


في الخامس عشر من أيار من كلِّ عام، لا يستعيد الفلسطينيون ذكرى تاريخية عابرة، بل يفتحون نافذةً واسعة على وجعٍ قديم ما يزال حيًّا في تفاصيل حياتهم اليومية.
فالنكبة لم تكن حدثًا انتهى عام 1948، ولا فصلًا منسيًا في كتاب التاريخ، بل كانت بداية حكاية طويلة من الاقتلاع والخسارة والمنفى والأسئلة المفتوحة.
سبعة وسبعون عامًا مرّت على النكبة، وما يزال الفلسطيني يحمل مفتاح بيته القديم كما لو أنّ الزمن توقّف عند لحظة الخروج الأولى.
مفتاحٌ صغير، لكنه أكبر من خرائط كثيرة، وأصدق من عشرات المؤتمرات والخطب والوعود الدولية التي امتلأت بها القاعات ولم تصل يومًا إلى أبواب المخيمات.
في ذلك العام الأسود، لم يخسر الفلسطيني أرضه فقط، بل خسر شعوره الطبيعي بالأمان.
تحوّل الوطن فجأة إلى ذكرى، والقرية إلى حكاية تُروى للأطفال، والبيت إلى صورة باهتة في ذاكرة عجوز ينتظر أن يموت قبل أن تموت أسماء الأماكن من ذاكرته.
ومنذ ذلك الوقت، والفلسطيني يعيش حياة مؤقتة، حتى وهو يقيم في المكان ذاته؛ لأن الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يحاول سرقة الإحساس بالاستقرار والانتماء والطمأنينة.
الاحتلال الإسرائيلي، الذي قام على القوة والدعم الدولي والصمت العالمي، لم يتوقف منذ عقود عن إعادة إنتاج النكبة بأشكال مختلفة.
فالبيوت ما تزال تُهدم، والاستيطان يتمدّد كوحشٍ يلتهم ما تبقّى من الجغرافيا الفلسطينية، والحصار يخنق المدن والمخيمات، فيما تُدار حياة ملايين البشر عبر الحواجز والأسلاك والخوف اليومي.
والمؤلم أكثر، أنّ العالم الذي يتحدّث طويلًا عن حقوق الإنسان والحريات والعدالة، يبدو أحيانًا عاجزًا عن رؤية الإنسان الفلسطيني إلا بوصفه رقمًا في نشرات الأخبار.
فحين يسقط الضحايا في أماكن أخرى، تتحرّك الدنيا سريعًا، أمّا الفلسطيني فقد اعتاد أن يواجه موته وحيدًا، بينما يكتفي العالم ببيانات القلق والدعوات إلى "ضبط النفس”، وكأنّ الضحية والجلاّد يقفان في المسافة الأخلاقية ذاتها.
لقد تحوّلت القضية الفلسطينية مع الزمن إلى اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي كله.
فكيف يمكن لعالمٍ يرفع شعارات الديمقراطية والعدالة أن يقبل باستمرار الاحتلال كل هذه العقود؟
وكيف أصبح من الطبيعي أن يعيش شعبٌ كامل تحت القصف أو الحصار أو التهجير، بينما يُطلب منه في الوقت ذاته أن يقدّم للعالم دروسًا في الهدوء والصبر؟
النكبة لم تكن فقط مأساة الفلسطينيين، بل كانت أيضًا لحظة سقوط عربي طويلة ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
ففي تلك اللحظة، اكتشف العرب هشاشتهم السياسية، وعجزهم عن حماية واحدة من أعدل قضاياهم وأكثرها إنسانية.
ورغم مرور السنين، ما تزال فلسطين قادرة على كشف حجم التناقضات العربية؛ بين الخطاب والواقع، وبين العاطفة والموقف، وبين الشعارات الكبرى وحسابات السياسة الضيقة.
ومع ذلك، بقي الفلسطيني عصيًّا على الانكسار الكامل.
فهذا الشعب الذي عاش في المخيمات، وتحت الاحتلال، وبين المنافي، استطاع أن يحافظ على ذاكرته حيّة بصورة مدهشة.
الأطفال الذين وُلدوا بعيدًا عن القرى المهدّمة، يعرفون أسماءها كما لو أنهم غادروها أمس.
والأمهات اللواتي فقدن البيوت، ما زلن يعلّمن أبناءهن أنّ الوطن ليس مجرد مساحة على الخريطة، بل كرامة وهوية وحكاية لا يجوز أن تموت.
وربما أكثر ما يخشاه الاحتلال، ليس السلاح وحده، بل هذه الذاكرة العنيدة التي ترفض النسيان.
فالاحتلال يستطيع هدم بيت، لكنه لا يستطيع هدم الحنين.
ويستطيع تغيير أسماء الشوارع، لكنه لا يستطيع اقتلاع الأسماء القديمة من قلوب أصحابها.
وفي ذكرى النكبة، تبدو الحاجة العربية والإنسانية ملحّة أكثر من أي وقت مضى لإعادة النظر في الطريقة التي يُنظر بها إلى القضية الفلسطينية.
فما يحدث ليس "نزاعًا عابرًا” بين طرفين متساويين في القوة، بل قصة شعب ما يزال يطالب بحقه الطبيعي في الحياة والحرية والكرامة فوق أرضه.
إنّ أخطر ما في النكبة، ليس فقط استمرار الاحتلال، بل محاولة تحويل المأساة إلى خبرٍ اعتيادي يتكرّر حتى يفقد أثره في الضمير العالمي.
لكنّ الحقيقة التي لم تتغيّر، أنّ فلسطين ما تزال هناك… في ذاكرة اللاجئين، وفي وجدان الشعوب، وفي عيون الأطفال الذين يولدون كل يوم وهم يحملون الحكاية نفسها.
وفي زمنٍ تتغيّر فيه التحالفات والمواقف والخرائط، تبقى فلسطين السؤال الأخلاقي الأصعب في وجه هذا العالم.
ويبقى الفلسطيني، رغم التعب والخسارة وطول الانتظار، شاهدًا حيًّا على أنّ الأوطان قد تُحتل، لكنها لا تموت ما دام هناك من يتذكّرها ويحلم بها ، ويناضل من أجلها .
تصميم و تطوير