إنطلاق أسبوع الأفلام التونسية في "شومان" غدا
أخبار دقيقة -
عمان 4 أيار - تنطلق يوم غد الثلاثاء في مؤسسة عبد الحميد شومان، عروض أسبوع الأفلام التونسية، من أعمال المخرج التونسي حبيب المستيري، ويستمر حتى يوم الأربعاء المقبل، وذلك في مقر المؤسسة بجبل عمان، حيث تبدأ العروض في تمام الساعة السادسة والنصف مساء.
كما تتضمن الفعاليات تنظيم حوارية مع المخرج المستيري يوم الخميس المقبل الساعة السادسة والنصف مساء بعنوان "تجربتي في السينما من الفيلم الوثائقي إلى الروائي".
وتبدا العروض يوم غد الثلاثاء بعرض الفيلم "ود" الذي يتناول جانبا من التحولات السياسية التي شهدها المجتمع التونسي خلال ثمانينيات القرن الماضي، وذلك من خلال النشاط السياسي لطلبة الجامعات هناك، وما انطوى عليه هذا النشاط من وقائع محملة بالأحلام والانكسارات، وخصوصا مع قدوم موجات التغيير السياسي والاجتماعي التي تعايش معها العالم المعاصر ولا زال في أكثر من بيئة إنسانية.
يرصد الفيلم الذي حصل على الجائزة الكبرى للأفلام الروائية في مهرجان "فاس" لسينما المدينة، جوانب من تفاصيل معاناة حياة شخصية العمل الرئيسية، فهو عاش حياته بعيدا عن والديه، لكنه وجد لدى إحدى الأسر من جيرانه ملاذا له، كما أنه عانى في دراسته الجامعية من علاقاته المتوترة مع أقرانه وأساتذته، على خلفية من التباين في الرؤى والافكار، وهو ما أدى إلى شعوره بالخذلان والعزلة، ثم الانهيار أمام جبروت واقع مأزوم بالفساد والخوف والحصار والتسلط.
لجأ المخرج المستيري إلى تصوير وقائع فيلمه المستمدة أحداثه عن رواية حملت عنوان "الحالم الأخير في مدينة تموت" للأديب التونسي مصطفى بن أحمد، بأسلوبية سمعية بصرية لافتة مغايرة للسينما الدرامية السائدة، فالفيلم رغم قسوة أحداثه، بدأ أشبه بنسيج من اللوحات الجمالية المتتالية، تتكئ على توظيف لافت لمفردات اللغة السينمائية، منها على وجه الخصوص قطع الديكورات المدعمة برسومات وتماثيل في هيئة دمى وكأن الحياة تدب فيها من خلال حركات عين تراقب وتتلصص على الموجودين بالغرفة، واعتنى المخرج بتدرّج الظلال والإضاءة، واختياراته لموسيقى وأغنيات منتقاة، تحاكي دواخل الشخصية في لحظات الفقد والحنين حينا، والريبة والخطر حينا آخر، كما في أغنيات بصوت الموسيقار محمد عبد الوهاب خاصة أغنية "هان الود عليه" التي قطف منها عنوان فيلمه، وهناك أحداث تسري في أمكنة ضيقة محدودة، مليئة باشتغالات فنية من النحت والتماثيل والستائر، يصحبها اقتصاد في الحوارات، إلى جوار توظيف لمواد فيلمية أخبارية عن الحقبة التي تدور فيها الأحداث، في هذا كله برع المستيري في إظهار احساس إبداعي جميل داخل سرد درامي متين، لقصة طالب جامعي قاده نشاطه السياسي إلى السجن، لكنه بعد إطلاق سراحه، أخذ على عاتقه أنه سيمضي في طريقه صوب العمل الصحفي ليواصل فيه الدفاع عن قضايا وهموم البسطاء والمهمشين من الناس العاديين، من خلال الكشف عن مواطن الفساد لدى إحدى شركات المقاولات، التي تسببت في انهيار أحد المباني، وهو ما أدى إلى حالات من الوفيات وإصابة العديد من قاطنيه، لكنه من خلال البحث والتقصي في ملابسات هذه الحادثة، يأخذ في الاصطدام مع الكثير من العوائق والعقبات، التي وضعتها أمامه قوى فساد نافذة ومهيمنة، للحيلولة من المضي قدما في إنجاز تحقيقه الصحفي، الأمر الذي أدى إلى افقاره وجعلته يحيا في ظروف غير إنسانية مليئة بالشروخ العميقة، مثلما ألغت دوره وطموحه في حركة المجتمع.
ما يميز فيلم "ود" ليس تنوع موضوعه، وجرأة تأشيره على قضايا حسّاسة محملّة بالجروح المفتوحة، بقدر تحوله الفطن بين لقطاته الموزعة بين هواجس وكوابيس التوتر والتعقب والأمراض النفسية ومعاناة الخوف والعنف والشعور بالوحدة والخسارة، كل ذلك يجري تصويره بكثير من الاحترافية ذات الأحاسيس والشاعرية البليغة لفترة سياسية عصيبة في حياة المجتمع التونسي، كأنه في رحلة بحث وتأمل في تنويع جمالي متقن على موضوع القهر وحتمية الانعتاق من القيود التي تكبل حياة الانسان، وفي النتيجة حضر فيلم "ود" في هذا النوع من الاشتغال السمعي البصري الفريد، في نسق التتابع السردي لحكايات مشهديته الفطنة، ذات التعابير واللقيات الرمزية والدلالات المشبعة بالوضوح تجاه أسئلة الحرية.
اما يوم الأربعاء فسيتم عرض فيلم "ولد العكري" هو أول فيلم روائي طويل للمخرج حبيب المستيري بعد مجموعة أفلام وثائقية.
في "ولد العكري" (ولد العكري تعبير شعبي يشير إلى الخائن)، العديد من الأسئلة والنقد، طرح للتاريخ ودعوة لإعادة البحث فيه، فيلم يرشح حبا وإنسانية ويحمل الجمهور إلى فترة حساسة من تاريخ تونس. كاميرا الحبيب المستيري تحملنا إلى سنوات قبيل وبعيد الاستقلال، تقريبا من 1955 إلى 1961، في تلك الفترة الحساسة التي شهدتها البلاد ستحملك كاميرا الحبيب المستيري في فيلم "ولد العكري" الذي سيراوح بين التاريخ وتقديم التحولات التي عاشتها تونس آنذاك انطلاقا من عودة بورقيبة في تموز 1955 إلى حد خطاب الدعوة لمعركة بنزرت.
بطل الفيلم "حسون"، جندي تونسي الجنسية ينتمي إلى الجيش الفرنسي، من أكثر المخلصين لتونس والساعين إلى استقلالها يستغل وظيفته لكشف المعلومات عن تحركات فرنسا ويمد صديقه رضا المحامي بكل المعلومات السرية الذي يوصلها بدوره إلى المكتب السياسي للحزب الدستوري التونسي.
أحداث الفيلم تدور في موقعين أساسيين الأول مقهى ب"حلق الوادي" والثاني مكتب الضابط الفرنسي، في المكان الأول يكون النادل همزة الوصل بين الضابط التونسي "المتعاون مع الحزب التونسي ضد فرنسا" والمحامي.
في "ولد العكري" يسلط الحبيب المستيري الضوء على شخصيات جداً مهمة في تاريخ تونس، ويطرح السؤال عن مصيرهم وكيفية تعامل أبناء وطنهم معهم، تعبير ولد العكري" اصبح تهمة: كيف تقول أنك تونسي وأنت ولد العكري، أنت المشوه لأنك عملت تحت راية فرنسا كما جاء في نقاش بين حسون وأحد أصدقائه حينما عبّر الأول عن رغبته في الالتحاق بالجيش التونسي كما وُعد سابقا، ولك أن تتساءل من الأكثر صدقا؟ الضابط الذي عمل مع الجيش الفرنسي وأثناء خدمته كان الأكثر حرصا على أمن التونسيين والأكثر حرصا على إيصال كل المعلومات إلى الحزب الدستوري والمقاومين؟ أم الآخرين الذين هتفوا في الشارع ليوم أو اثنين وبعضهم تواطأ مع فرنسا ضد المقاوين ثمّ توّجوا بمناصب في الدولة؟.
حركة الكاميرا تتأرجح بين الهنا والهناك، تنقل مراحل حياة "حسون" الجندي الفرنسي /التونسي في مكتب رئيسه في العمل يخيّر بين الحصول على الجنسية الفرنسية (فرصة نادرة للجيش الأهلي) ومعها رتبة ضابط ومنزل وراتب تقاعد أو مغادرة الجيش الفرنسي دون امتيازات، "حسّون" يختار تونسيته ويختار وطنه معتقدا أن له مكانه في الجيش التونسي، فتجازيه بلاده أولا بمحاولة اغتيال وثانيا برفض انتمائه للجيش التونسي: "هناك إشاعة تقول أنك شيوعي".
في الفيلم تجدك أمام شخصية مركبة وأحداث أكثر تعقيدا، الكثير من الضيم عاشته شخصية "حسون" وهو انموذج عن جنود كثر خسرتهم فرنسا وخسروا وطنهم فقط لأنهم "أولاد العكري" وعوض الاستفادة من تجاربهم ترميهم الدولة إلى الهامش وعوض حمل السلاح أو تدريب الجيش حديث الانشاء نجد "حسون" يحمل الصنارة ويصطاد السمك في البحر ليعيل نفسه.
تواصل الكاميرا مرافقة "حسون" الذي يستجيب لخطاب الحبيب بورقيبة ويقرر التطوع في معركة الجلاء ببنزرت، ينسى أن دولته تنكّرت له ويلبي نداءها ليموت في معركة الجلاء ولأنه " ولد العكري"، حتى قبره لا يكون مع المجموعة وإنما يدفن في قبر على حافة البحر قد يجرفه الماء في أي حركة للمد والجزر.
مستشار قسم السينما في مؤسسة "شومان" المخرج والناقد السينمائي عدنان مدانات، أشار إلى أن قسم السينما اعتاد على تنظيم أسابيع الأفلام خلال العام، حيث يتم اختيار أحد أنواع السينما أو أفلام تم انتاجها في بلد معين، مشيرا إلى أنها سميت بأسابيع الأفلام السينمائية لأنه يتم عرض الأفلام على مدى ثلاثة أيام متتالية.
وبين أن لجنة السينما في مؤسسة "شومان" تسعى دائما إلى تسليط الضوء على المخرجين العرب خاصة الذين قدموا أفلاما مبدعة.
وُلد المخرج التونسي حبيب المستيري في مدينة الشابة في 6 يوليو 1959. بدأت مسيرته السينمائية مبكرًا بانضمامه إلى نادي السينمائيين الهواة في الشابة عام 1977، حيث أخرج أول أفلامه القصيرة "عودة الصياد".
عمل في بداياته صحفيًا ثقافيًا، كما اشتغل مساعدَ مخرج في عدد من الأعمال السينمائية التونسية والدولية. وفي عام 1994 انتقل إلى إيطاليا، حيث عمل مخرجًا ومنتجًا في شبكة قنوات أوربت، وحقق خلالها حضورًا لافتًا تُوِّج بعدة جوائز دولية.
عاد المستيري إلى السينما التونسية عام 2008، وقدم العديد من الأعمال الوثائقية والروائية البارزة، من بينها أفلام تُعنى بالذاكرة والمكان والهوية الإنسانية.
