لماذا تراجعت جهود الحكومة في مكافحة التدخين؟ بقلم: د. محمد حسن الطراونة** استشاري أمراض صدرية وتنفسية**

{title}
أخبار دقيقة -


أصبح لزاماً علينا اليوم أن نضع النقاط على الحروف التي تآكلت بفعل الضبابية الحكومية في التعامل مع ملف مكافحة التبغ. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة في الصالونات الطبية والسياسية على حد سواء: لماذا ترجعت جهود الحكومة الفترة الحالية ، ممثلة بوزارة الصحة، عن المضي قدماً في محاربة هذا الوباء الذي يفتك بصحة المجتمع الأردني؟

لقد شهدنا في فترة سابقة زخماً حقيقياً، ربما لأن رأس الهرم الصحي حينها كان يدرك تماماً -بحكم تخصصه كاستشاري أمراض صدرية- أن كل تأخير في تطبيق التشريعات الصحية يعني مزيداً من الوفيات ومزيداً من الإنفاق الحكومي المرهق على الأمراض المزمنة والسرطانات. ولكن، ومع تعاقب التعديلات الوزارية، يبدو أن ملف مكافحة التبغ قد سقط من حسابات "الأولويات"، وتحول من استراتيجية وطنية عابرة للحكومات إلى "ملف مرتبط بشخص الوزير"، يرحل برحيله ويهدأ بهدوئه.

إن المؤشرات الحالية تدق ناقوس الخطر؛ فالتراجع عن مكتسبات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التبغ، والبرود في تنفيذ مخرجاتها، يشير إلى أن وزارة الصحة قد استسلمت لضغوطات "البراغماتية المالية". فكيف نفسر الصمت المطبق حيال خفض الضرائب على منتجات التبغ المسخن والسجائر الإلكترونية؟ وكيف نقبل أن تصبح صحة شبابنا وأطفالنا في المدارس عرضة لترويج "السموم الممنهجة" بأسعار تفضيلية بذريعة ضبط التهريب ورفد الخزينة؟
إن انشغال وزارة الصحة بملفات إدارية وهيكلية، رغم أهميتها، لا يجوز أن يكون مبرراً لـ "الاستقالة" من الدور الوقائي والرقابي. إن الدولة التي تطمح لبناء منظومة صحية متطورة، لا يمكنها أن تنجح وهي تترك بوابات الإدمان مفتوحة على مصراعيها أمام جيل الناشئة. إن مكافحة التدخين ليست "تَرَفاً" أو نشاطاً ثانوياً يُترك للأهواء أو يتأثر بتغيير الحقائب الوزارية، بل هي معركة وجودية تتطلب إرادة سياسية صلبة لا تنحني أمام الحسابات الجبائية الضيقة.

إننا اليوم أمام واقع مرير؛ فنسب التدخين في الأردن باتت من الأعلى عالمياً، وتكلفة علاج الأمراض الناتجة عنه تستنزف موارد الدولة بشكل يفوق أي إيراد ضريبي قد تجنيه من التبغ. إن ما نحتاجه اليوم هو العودة الفورية لنهج "السيادة الصحية"، وتفعيل قانون الصحة العامة بكل حزم، وإخراج ملف مكافحة التبغ من "أدراج النسيان الوزاري".

إن حماية صحة الأردنيين هي أمانة في عنق الحكومة، والتاريخ لن يرحم من آثر أرقام الخزينة المؤقتة على سلامة الأجيال القادمة.
تصميم و تطوير