ارتفاع أسعار البنزين عالميا يعزز مبيعات السيارات الكهربائية
أثار ارتفاع أسعار البنزين، نتيجة للتوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق الطاقة، قلق مصنعي وتجار السيارات وأصحابها في أنحاء العالم، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل السيارات الكهربائية. وأثبت التاريخ أن صدمات أسعار النفط قد تحدث تغييرات في سلوك المستهلكين عند شراء السيارات.
ففي سبعينيات القرن الماضي، دفعت أزمة الطاقة في الولايات المتحدة المستهلكين إلى اختيار سيارات أصغر حجما، وهو ما أفاد الشركات اليابانية، وأدى إلى تراجع حصة الشركات الأمريكية في السوق، وفقا لمنصة "إنفستنغ".
فهل يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة مبيعات السيارات الكهربائية عالميا؟
صدمة الطاقة وارتفاع أسعار البنزين
أظهرت البيانات ارتفاع متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة بمقدار دولار واحد مقارنة بسعره قبل بدء التوترات الجيوسياسية، وفقا لموقع أسعار الوقود (AAA) التابع لجمعية السيارات الأميركية.
وبينت البيانات أن سعر الغالون وصل إلى 3.98 دولارات، بينما كان 2.98 دولارا في فبراير الماضي. وتشير التوقعات إلى أن متوسط السعر في الولايات المتحدة قد يصل إلى 4 دولارات للغالون في الأيام المقبلة، وهو ما لم يحدث منذ أغسطس 2022.
وفي أوروبا، كشفت وكالة رويترز عن ارتفاع متوسط تكلفة البنزين في دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 12%، ليصل إلى 1.84 يورو (2.12 دولار) للتر الواحد في الفترة من 23 فبراير إلى 16 مارس.
نحو طفرة في مبيعات السيارات
قال محللون إن ارتفاع أسعار البنزين أدى إلى زيادة الإقبال على شراء السيارات الكهربائية. وتشير منصات بيع السيارات عبر الإنترنت إلى أن ارتفاع أسعار البنزين يعزز مبيعات السيارات الكهربائية، وبالذات المستعملة منها، في أنحاء أوروبا، مما يدل على أن ارتفاع أسعار الوقود يدفع المستهلكين بعيدا عن محركات الاحتراق الداخلي.
وصرح تيرجي دالغرين، المحلل في سوق السيارات المستعملة في النرويج، بوجود طفرة في سوق السيارات الكهربائية المستعملة، مضيفا أنها تفوقت على السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري.
وأفادت شركة "أراميسوتو" الفرنسية لبيع السيارات المستعملة عبر الإنترنت بأن حصتها من مبيعات السيارات الكهربائية تضاعفت تقريبا، إذ ارتفعت إلى 12.7% من 6.5%. وأشار الرئيس التنفيذي رومان بوشر إلى أن الشركة شهدت تحولا مماثلا عام 2022 عندما اندلعت الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفعت أسعار الطاقة.
وأكدت وكالة بلومبيرغ وجود إقبال متزايد على شراء السيارات الكهربائية في دول جنوب شرق آسيا، حيث يتجه العديد من المستهلكين إلى تغيير سيارات البنزين بأخرى كهربائية، مدفوعين بارتفاع تكاليف الوقود نتيجة التوترات.
وذكر الفيتنامي نغوين هوانغ تو أن معارض السيارات التابعة لشركته اضطرت إلى توظيف المزيد من موظفي المبيعات بعد تضاعف زيارات العملاء 4 مرات، مما أسفر عن بيع نحو 250 سيارة كهربائية في الأسابيع الثلاثة التي أعقبت اندلاع التوترات.
وبينما لم تعلن شركات صناعة السيارات بعد نتائج مبيعات شهر مارس، فإن المؤشرات الأولية تشير إلى استفادة الشركات الآسيوية، مثل "بي واي دي" الصينية و"فين فاست" الفيتنامية، من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وما تبعه من زيادة الطلب على السيارات الكهربائية.
وأوضح ألبرت بارك، كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي، أن ارتفاع أسعار النفط يساعد دائما في التحول إلى السيارات الكهربائية، فهو يخلق حوافز اقتصادية لتسريع هذا التحول.
ارتفاع مستمر أو عتبة نفسية
قال محللون إن الارتفاعات الحادة الأخيرة في أسعار الوقود لن تُغير أنماط شراء السيارات الجديدة بشكل فوري. وأوضح مراقبو الصناعة أن الأمر غالبا ما يتطلب فترة طويلة من ارتفاع الأسعار، أو أن تتجاوز عتبة نفسية معينة، قبل أن يُحوّل مشترو السيارات تركيزهم إلى خيارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، وفقا لمنصة "إنفستنغ".
وذكر كيفن روبرتس، مدير قسم المعلومات الاقتصادية والسوقية في منصة "كارغوروس" الإلكترونية، أن المستهلكين يتفاعلون بشكل كبير مع أسعار البنزين، ولكن عادة ما يكون السعر عند بلوغه رقما محددا.
وأشار إلى أن سعر 4 دولارات (للغالون) قد يكون هو السعر الذي يجب مراقبته، مبينا أن هذا السعر كان نقطة تحول في اهتمام المستهلكين بالسيارات الكهربائية أثناء أزمة النفط الأخيرة عام 2022.
عقبات تواجه التحول نحو السيارات الكهربايية
توجد عقبات أخرى أمام التوجه للسيارات الكهربائية، من أبرزها ارتفاع تكاليف التحول، وانخفاض سياسات التحفيز الحكومي لإنتاج السيارات الكهربائية، خصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا.
وقد أدت هذه السياسات إلى إعلان ما لا يقل عن 12 شركة سيارات عالمية عن خفض أهدافها المتعلقة بالتحول للسيارات الكهربائية، وذلك بعد تباطؤ الطلب وارتفاع تكاليف التحول.
وترى جوانا تشين، محللة بلومبرغ إنتليجنس، أن الحفاظ على اهتمام المستهلكين بالسيارات الكهربائية يتطلب من الصناع القيام باستثمارات ضخمة في البنية التحتية لسد النقص الحالي في محطات الشحن.
وبينت أن القدرة على تحمل التكاليف وشحن السيارات الكهربائية شكّلا العاملين الرئيسيين اللذين يعيقان انتشارها، مضيفة أن التكلفة الإجمالية قد تتساوى مع ارتفاع أسعار النفط.
وختاما، تكشف التطورات الأخيرة أن ارتفاع أسعار الوقود تحول إلى محفّز حقيقي لإعادة تشكيل سوق السيارات عالميا، مع تسارع واضح نحو المركبات الكهربائية، خاصة في الفئات الأقل تكلفة مثل السيارات المستعملة.
ورغم أن هذا التحول يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة والبنية التحتية وتراجع الحوافز، فإن استمرار تقلبات أسواق الطاقة قد يدفع المستهلكين والشركات على حد سواء إلى تسريع الانتقال نحو بدائل أكثر استدامة.
