فنلندا تتربع على عرش السعادة العالمي: أسرار الشمال البارد لحياة أكثر رضا
على الرغم من أن الكثيرين يربطون السعادة بالشمس الساطعة والشواطئ الذهبية، إلا أن دول الشمال البارد، مثل فنلندا والدنمارك وأيسلندا، تتربع على عرش تقرير السعادة العالمي. وتعد فنلندا مثالا مدهشا، حيث لم تكتف بالتواجد في القمة، بل حصدت المركز الأول عالميا للعام التاسع على التوالي.
في بلد تغيب فيه الشمس لعدة أشهر وتنخفض فيه درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، يبدو أن السكان قد اكتشفوا نظاما مجتمعيا يحول القسوة إلى بهجة. فهل السعادة هناك مجرد رفاهية مادية، أم فلسفة حياة يمكن استلهامها؟
أظهر تقرير السعادة العالمي التابع للأمم المتحدة أن الشعوب في دول الشمال ليست الأغنى عالميا من حيث الدخل الصافي، لكنها من الأكثر أمانا. ويكمن السر في الثقة، حيث يثق الفنلنديون في جيرانهم ومؤسساتهم بدرجة كبيرة. وأضاف التقرير أنه إذا فقدت محفظتك في الشارع، فهناك احتمال كبير أن تعود إليك كاملة، وبداخلها كل سنت. والأطفال يذهبون إلى مدارسهم سيرا على الأقدام منذ سن السابعة، دون الشعور بالخطر أثناء العودة إلى المنزل بمفردهم.
السعادة هناك أشبه بتصميم مجتمعي يزيل القلق بشأن الصحة والتعليم والمستقبل، ويترك للفرد مساحة للتركيز على جودة يومه. وعلى عكس ما هو معتاد، يعتبر العمل لساعات طويلة علامة على الفشل في إدارة الوقت، لا على الاجتهاد.
أفاد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الموظفين في هذه الدول يتمتعون بأطول الإجازات مدفوعة الأجر وبأحد أفضل أنظمة رعاية الأطفال في العالم.
إذا زرت الدنمارك، ستسمع مصطلح هيوغا يتكرر في كل مكان، وهي ليست مجرد كلمة، بل حالة شعورية تعني خلق جو دافئ والاستمتاع بالأشياء الجيدة في الحياة مع الأشخاص الطيبين.
أوضح مايك ويكينغ، مدير معهد أبحاث السعادة في كوبنهاغن، في كتابه الشهير The Little Book of Hygge، أن الدنماركيين يعوضون قسوة الطقس بالدفء الاجتماعي. فـ هيوغا هي الترياق للتوتر، تدفعك إلى العيش في اللحظة الحالية والامتنان لما تملكه الآن. وأشار ويكينغ إلى أن الدنماركيين هم من أكثر شعوب العالم استهلاكا للشموع، فالشخص الدنماركي يحرق حوالي 6 كيلوغرامات من الشمع سنويا، ليس لنقص الكهرباء، بل لأن الإضاءة الدافئة ركن أساسي في صحته النفسية. فالجلوس بجانب المدفأة بجوارب صوفية وكوب قهوة ليس مجرد رفاهية، بل طقس مقدس لمحاربة كآبة الشتاء.
على النقيض من نعومة هيوغا الدنماركية، تأتي الفلسفة الفنلندية الصلبة المعروفة بـ سيسو، وهي مزيج من الشجاعة والمرونة والإصرار الذي يظهر حين يبدو الأمل وكأنه انتهى.
أفادت دراسة نشرها موقع (Visit Finland) أن الفنلنديين يطبقون سيسو في حياتهم اليومية عبر ممارسات قد تبدو انتحارية للبعض، مثل السباحة في المياه المتجمدة، إذ يعتقدون أن صدمة البرد يعقبها استرخاء عميق، يفرز هرمونات السعادة ويدرب العقل على تحمل صعوبات الحياة. فالسعادة هنا ليست في تجنب الألم، بل في قهره.
في أيسلندا وفنلندا، هناك مبدأ مجتمعي يعرف بـ حق كل رجل. وذكر مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول الطبيعة في الشمال أن هذا الحق يتجاوز حدود الملكية الخاصة، إذ يمنح أي شخص، مواطنا كان أو سائحا، حرية التجول في الغابات والتخييم لليلة واحدة وقطف الثمار البرية والفطر، ما دام لا يسبب إزعاجا لصاحب الأرض أو ضررا للبيئة.
هذا الحق ليس مجرد تسهيل للتنزه، بل إقرار بأن الطبيعة ملكية عامة للروح البشرية. في هذه الدول، ينظر إلى الانفصال عن الطبيعة باعتباره مرضا، بينما يعد الارتباط بها ضرورة بيولوجية لا تقل أهمية عن الغذاء والماء. فالغابة تعمل كعيادة نفسية مفتوحة: يكفي المشي 20 دقيقة بين أشجار الصنوبر لخفض ضغط الدم وتقليل هرمون الكورتيزول المسؤول عن الإجهاد.
تشير الإحصاءات الرسمية التي نشرها المعهد الفنلندي للموارد الطبيعية إلى أن نحو 70% من مساحة البلاد مغطاة بالغابات، وهو ما يجعل الطبيعة على بعد خطوات من باب كل منزل، ويخلق جيلا يتمتع بمرونة نفسية عالية وقدرة فريدة على مواجهة تحديات الحياة العصرية بـ برود إيجابي مستمد من سكون الطبيعة.
في النرويج والدنمارك، هناك سر اجتماعي يسمى قانون يانتيه، وهو مجموعة قواعد غير مكتوبة تعزز التواضع: أنت لست أفضل من الآخرين، ولا أذكى منهم.
بين مقال في بي بي سي وورك لايف (BBC Worklife) أن هذا القانون يعد الترياق لمرض المقارنة الاجتماعية الذي ينهش المجتمعات الحديثة. في هذه البلدان، لا يتباهى المدير بسيارته الفارهة أمام الموظفين، والجميع يرتدي ملابس بسيطة وعملية. وحين يختفي الاستعراض الطبقي، تتراجع الغيرة والحقد الاجتماعي، ليحل مكانهما قدر أكبر من الرضا النفسي.
يتميز المجتمع الدنماركي خصوصا بأنه يمنح الأفراد حرية واسعة في اختيار نمط حياتهم، فلا يجدون أنفسهم غالبا محاصرين في فخاخ التوقعات الاجتماعية أو الضغوط المادية. هذا التحرر هو ما يجعلهم أكثر رضا وامتنانا لحياتهم كما هي.
تظهر تجربة دول الشمال أن الإجابة: الاثنان معا. فالمجتمع يوفر الأمان والثقة (التصميم)، لكن الفرد يتبنى الهيوغا و السيسو (القرار). السعادة في الشمال ليست غيابا للمشكلات، بل امتلاك كتالوج ذهني للتعامل معها.
قد لا نستطيع نقل نظام الضرائب الفنلندي إلى بلادنا، لكننا بالتأكيد نستطيع استعارة شمعة من الدنمارك لنضيء بها بيوتنا، وعزيمة من فنلندا لنواجه بها تحدياتنا. فالسعادة، كما تعلمناها شعوب الشمال، تبدأ عندما نتوقف عن مطاردة المزيد، ونبدأ في تقدير الموجود.
