ترام الرشيد يعيد الفرح الى بغداد وسط التوترات الاقليمية
في قلب العاصمة العراقية بغداد، حيث تتزايد الأخبار المثيرة للقلق والتحليلات السياسية، يجد العراقيون أنفسهم في بحث دائم عن لحظات هدوء. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، أصبحت نشرات الأخبار جزءا لا يتجزأ من القلق العام، مما يؤثر على تفاصيل الحياة اليومية.
لكن على امتداد شارع الرشيد، أحد أقدم وأكثر الشوارع رمزية في بغداد، يظهر مشهد مختلف. هنا، لا تتصدر العناوين السياسية المشهد، بل يمر "ترام الرشيد الاحمر" بهدوء، حاملا معه لحظات من الفرح، وهو أمر نادر في هذه الأوقات.
داخل عربات الترام، التي تتسع لـ 24 راكبا، تتغير ملامح الركاب بسرعة. البعض يتفقد هواتفه قبل أن يضعها جانبا، بينما ينشغل آخرون بتأمل المباني التراثية المحيطة بالمسار. كثيرون يختارون التقاط صور لتوثيق هذه التجربة المختلفة في قلب العاصمة.
يقول احمد، وهو شاب يبلغ من العمر 23 عاما، إن الترام بالنسبة له "أكثر من مجرد وسيلة نقل". وأوضح: "نقضي ساعات نتابع الأخبار عن التصعيد والحرب، وكل شيء يوتر. لكن هنا أشعر أنني خارج هذا الجو، حتى لو لدقائق معدودة".
أم زهراء، التي جاءت برفقة حفيدها في جولة مسائية، ترى في الترام مساحة مزدوجة للراحة. وقالت: "الطفل يفرح، وأنا أرتاح نفسيا. نحتاج هكذا أشياء حتى ننسى الضغط، ونريد أن نعيش فرحته ولو بشيء بسيط".
في هذه الرحلات القصيرة، تتشكل حالة جماعية من "الانفصال المؤقت" عن الضجيج العام، وكأن الترام يمنح ركابه فرصة لإعادة ترتيب مشاعرهم بعيدا عن التوتر.
لم يكن شارع الرشيد يوما مجرد طريق، بل هو ذاكرة حية لمدينة شهدت تحولات كبيرة. ومع مرور السنوات، تراجع حضوره في الحياة اليومية، قبل أن تعود إليه الحركة تدريجيا مع مشاريع التأهيل المستمرة، ومن بينها الترام.
على جانبي الشارع، تتكرر مشاهد قد تبدو عادية في مدن أخرى، لكنها في بغداد تحمل دلالات مختلفة: عائلات تتنزه، أطفال يلوحون للعربة المارة، شبان يلتقطون صور "سيلفي"، وباعة يعرضون بضائعهم في أجواء تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل.
يقول علي الساعدي، وهو أحد المصورين الميدانيين الذين يوثقون هذه اللحظات، إن "الابتسامة هنا ليست عادية، هي رد فعل على كل شيء ثقيل نعيشه. الناس تحاول أن تصنع لحظتها الخاصة".
ومع عيد الفطر، تتخذ هذه المشاهد طابعا أكثر حيوية. أضواء المحال، وحركة العائلات في ساعات المساء، وصوت الأطفال، كلها تعيد تشكيل صورة مختلفة لبغداد التي تحب الحياة.
اعتاد العراقيون أن تكون الأعياد مناسبة للزيارات والتجمعات، لكن في السنوات التي تتصاعد فيها الأزمات، يتغير شكل الاحتفال. هذا العام، ومع تصاعد التوتر الإقليمي، يبدو أن كثيرين يبحثون عن بدائل بسيطة وآمنة للفرح.
هنا يبرز الترام كأحد هذه البدائل، فبدلا من السفر أو التجمعات الكبيرة، يختار بعضهم قضاء وقت قصير في شارع الرشيد، حيث يمكن الجمع بين التنزه وتجربة الترام، في أجواء أقل توترا.
تقول زهراء هشام، طالبة جامعية جاءت مع صديقاتها: "لسنا في مزاج احتفالات كبيرة، لكن نريد أن نشعر بالعيد. الترام وشارع الرشيد يعطياننا هذا الإحساس".
بهذا المعنى، لا يصبح الترام مجرد مشروع خدمي، بل جزءا من "طقوس عيد جديدة" تتكيف مع الواقع، دون أن تتخلى عن فكرة الفرح.
من جانبه، يوضح المتحدث الرسمي باسم مبادرة "نبض بغداد"، محمد الصوفي، أن المشروع يحمل رسائل تتجاوز الجانب الخدمي. وقال إن "وصول عربة ترام إلى شارع الرشيد يمثل أكثر من مجرد إضافة خدمية، هو رسالة بأن هناك وعودا يمكن أن تتحقق، وأن المدينة قادرة على استعادة ملامحها".
وأضاف أن الترام يستحضر أيضا ذاكرة بغداد والعراقيين: "هناك ملمح واضح من الماضي، يشبه تجربة الباص ذي الطابقين الذي كان يمر في شارع الرشيد. هذه التفاصيل تخلق رابطا وجدانيا مع الناس، وتعيد إحياء صور قديمة بطريقة حديثة".
ويشير الصوفي إلى أن تفاعل الأهالي فاق التوقعات، موضحا: "العوائل استقبلت الترام كتجربة جديدة ومختلفة، وبدأنا نلاحظ عودة الحياة إلى الشارع، ليس فقط نهارا، بل حتى في ساعات متأخرة من الليل. هذا بحد ذاته مؤشر مهم على استعادة الثقة بالفضاءات العامة".
وبحسب الصوفي، يأتي المشروع ضمن رؤية أوسع، فالترام جزء من خطة لإعادة تأهيل مركز بغداد التاريخي، وتحويله إلى وجهة سياحية وثقافية نابضة بالحياة، لا مجرد ممر عبور.
ينفذ مشروع ترام الرشيد تحت إشراف أمانة بغداد، في إطار حملة واسعة لإحياء مناطق بغداد القديمة. وتعمل العربة بالطاقة النظيفة، في خطوة تعكس توجها نحو مشاريع حضرية أكثر استدامة، إلى جانب بعدها الجمالي والخدمي.
ويرى مختصون أن هذا النوع من المشاريع، رغم بساطته، يمكن أن يخلق تأثيرات متراكمة، خصوصا إذا ما تم ربطه بأنشطة ثقافية وفنية، كما هو مخطط له مستقبلا.
لا يغير ترام الرشيد من تعقيدات المشهد الإقليمي، ولا يوقف سيل الأخبار العاجلة، لكنه يفتح نافذة صغيرة على واقع مختلف، واقع تصنعه تفاصيل بسيطة: ابتسامة طفل، جولة قصيرة، أو صورة على رصيف قديم.
ومع استمرار التصعيد في المنطقة، يختار بعض البغداديين أن يمنحوا أنفسهم استراحة قصيرة، على متن عربة حمراء تعبر شارعا عتيقا، كأنها تقول إن في قلب الضجيج متسعا دائما للحياة.
