بين التفوق العسكري والمأزق السياسي: إلى أينتتجه الحرب على إيران؟

{title}
أخبار دقيقة -


 

نادراً ما تُحسم الحروب الكبرى بضربة واحدة، فالقوةالعسكرية لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى نتيجةسياسية واضحة، وهذا ما لم يحدث حتى الآن في الحربالأميركية الإسرائيلية على إيران، فبعد الضربة الصادمةالتي استهدفت رأس النظام وعدداً من قياداته العليا، بداالمشهد وكأنه يتجه إلى انهيار سريع، لكن الأيام الأولىكشفت واقعاً أكثر تعقيداً: تفوق عسكري واضح من جهة، مقابل ثبات إيراني واستعداد لتحويل الحرب إلى مواجهةطويلة ومكلفة من جهة أخرى.

 

تمكنت إيران بسرعة لافتة من تجاوز صدمة اغتيالالمرشد وعدد من القيادات العليا، وانتقلت من الذهول إلىرد منظم ومتعدد الاتجاهات، ما كان يُفترض أن يكونضربة شلّ استراتيجية للقيادة الإيرانية تحول إلى إعادةتنظيم سريعة، وهو ما أفسد  الحسابات الأميركيةالإسرائيلية التي راهنت على انهيار سريع في منظومةالقرار، وهذا  فتح باب الاحتمالات على مصراعيه، وأدخلالحرب الى مرحلة مختلفة، فالولايات المتحدة وإسرائيلتسعيان  لكسر عناصر الردع الإيرانية، وفرض سيطرةشبه كاملة على المجال الجوي، وهو ما لم يتحول إلىحسم سياسي؛  فلا بوادر لرضوخ طهران حتى الآن

 

في المقابل لجأت إيران إلى توسيع مسرح الحرب لرفعكلفتها وإدخال أطراف أخرى فيها، ولهذا استهدفت دولالخليج بحجة وجود قواعد أميركية، بينما  الهدف المُضمرجرّ هذه الدول إلى المواجهة بما يسمح باستخدام أدواتأقل كلفة وأكثر تأثيراً بحكم قرب المسافة، ويعطي فرصةأكبر لاستنزاف المنطقة، غير أن دول الخليج أدركت ذلك، وفضّلت البقاء في موقع الدفاع دون الانجرار إلى مواجهةمباشرة، في المقابل اتخذت طهران خطوة خطرة بتعليقالمرور في مضيق هرمز، ناقلة كلفة الحرب من الإطارالإقليمي إلى العالمي نظراً لأهمية المضيق الطاقويةوالاقتصادية، في الوقت نفسه واصلت الصواريخ الإيرانيةرحلتها إلى عدد كبير من دول المنطقة،  مع تركيز واضحعلى الخليج والأردن، دون مكاسب ميدانية واضحة

 

ورغم الهيمنة الجوية الأميركية وكثافة الضربات علىالمنشآت الإيرانية، تبدو واشنطن أمام معضلة واضحةالتفوق العسكري لم يتحول إلى إنجاز سياسي، فهيتواجه ثلاثة خيارات صعبةإضعاف النظام عبر تدميرأدواته العسكرية وهذا قد يفتح الباب لفوضى داخلية، أوإسقاطه دون القدرة على إنتاج بديل مقنع، أو التوقف قبلالحسم وتسويق الحرب باعتبارها نجحت في تحييدالقدرات الإيرانية، وتشير مواقف الرئيس الأميركي إلىتفضيله نموذجاً شبيهاً بفنزويلا، أي انتقال السلطة إلىمجموعة من داخل النظام تقبل بالتعامل مع واشنطن،  واختيار السيد مجتبى خامنئي مردشاً، هي رسالة تحدٍ واضحة لواشنطن، تنسف إمكانية تحقق هذا الاحتمال

 

ولا تزال إيران  قادرة على إفساد أي انتصار أميركيمحتمل، فهي تمتلك القدرة على تهديد الملاحة في مضيقهرمز واستهداف منشآت الطاقة في الخليج وضربالحلفاء الإقليميين لواشنطن، وفي هذه الحالة تتحولالحرب إلى نمط غير متكافئ يعتمد على المسيّراتوالزوارق الانتحارية وحرب الاستنزاف بهدف منع الهزيمةلا تحقيق النصر.

 

لكن أخطر السيناريوهات يبقى ما يمكن تسميتهبـ«الحريق الكبير»، فوفق تقديرات عديدة أوصى المرشدعلي خامنئي قبل اغتياله باستراتيجية تقوم على توسيعالحرب إذا أصبح سقوط النظام احتمالاً واقعياً، ويعنيذلك ببساطةإذا احترقت إيران فليحترق الإقليم معها، عبر إشعال الجبهات وتهديد الملاحة الدولية، ما قد يحولالحرب إلى أزمة عالمية.

 

يبقى السؤالهل تستطيع واشنطن منع الوصول إلىهذه المرحلة؟  لا تزال الحرب في بدايتها، والتقديراتتشير  إلى أن الحسم قد يحتاج عدة أسابيع، وهنا تكمنالمعضلةالأميركيون متفوقون عسكرياً لكنهم لم يحصلواعلى تنازل سياسي، والإيرانيون يواصلون التصعيد رغمأن استمرار الحرب قد يقود إلى تدمير إيران والمنطقةمعاً.

 

المشكلة الأعمق أن واشنطن بدأت حرباً مع دولة كبيرةدون تصور واضح لليوم التالي، فإضعاف قوة بحجمإيران  لا يخلق استقراراً، بل فراغاً استراتيجياً واسعاً، قدتشغله الفوضى

 

أما دولياً فإن هذه الحرب تتجاوز حدود الشرق الأوسط، إذ ترتبط مباشرة بالصراع على قيادة النظام الدولي، خصوصاً في ظل التنافس الأميركي الصيني، ولذلك فإننهايتها، سواء بانتصار حاسم أو حرب استنزاف أوتسوية تحت النار، ستترك آثاراً عميقة على شكل النظامالعالمي.

 

في المحصلة، ما يجري ليس مجرد حرب إقليمية، بللحظة مفصلية قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة وربماالعالم، إنها ليست معركة على إيران وحدها، بل اختبارلقدرة القوة العسكرية على إعادة صياغة التاريخ، وهواختبار لا تزال نتائجه مفتوحة على احتمالات متعددة.

تصميم و تطوير