اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شهداء كنيسة حمود شهداء الأردن جميعا والارهاب لن يجد له وطنا في الكرك

{title}
أخبار دقيقة -


لم يكن ما جرى اليوم في كنيسة قرية حمود في الكرك مجرد جريمة قتل بشعة ارتكبتها أياد مجرمة بل كان اعتداء على ضمير الأردن ووجدانه وتاريخه وعلى قيم التآخي والمحبة والعيش المشترك التي توارثها الأردنيون جيلا بعد جيل

لقد امتدت أيدي الغدر والإرهاب إلى أناس أبرياء اجتمعوا في بيت من بيوت الله لتوديع أحد أحبائهم في مشهد إنساني تملؤه رهبة الموت وحزن الفراق فإذا بمجرمين منزوعي الرحمة والإنسانية يحولون الجنازة إلى مأتم جديد ويضيفون إلى أحزان العائلات أحزانا وإلى دموعها دماء

أي قلوب ميتة تلك التي تستطيع أن تطلق الرصاص على مشيعين عزل وأي عقول مسمومة تستطيع أن ترى في قتل الأبرياء بطولة أو نصرا وأي انحطاط أخلاقي وفكري بلغته هذه الفئات التي تجردت من أبسط معاني الإنسانية حتى استباحت حرمة الموت وحرمة العبادة وحرمة الدم البشري

إننا أمام جريمة إرهابية جبانة لا تستحق من الأردنيين إلا أشد عبارات الإدانة والاحتقار لمن ارتكبها وخطط لها وحرض عليها أو وفر لها الغطاء والمساندة فلا دين يبرر هذه الوحشية ولا عقيدة تمنح القتلة حق إزهاق الأرواح ولا قضية مهما كانت تستطيع أن تغسل عار الدم البريء

وإلى أهلنا في قرية حمود وإلى عائلات الشهداء وأحبائهم نقول إن مصابكم مصابنا وإن دموعكم دموعنا وإن الذين رحلوا اليوم ليسوا شهداء عائلاتهم وحدها بل شهداء الأردن كله

نعزي أنفسنا قبل أن نعزيكم لأننا أبناء وطن واحد ولأن الحزن الذي دخل بيوتكم دخل بيوتنا جميعا ولأن الكرك التي عرفت عبر تاريخها الطويل أخوة المسلم والمسيحي لم تعرف يوما أن اختلاف الصلاة يعني اختلاف الدم أو أن اختلاف دور العبادة يعني اختلاف الانتماء

في الكرك لم يكن المسيحي ضيفا على المسلم ولا المسلم وصيا على المسيحي بل كانا وما زالا أبناء الأرض الواحدة والجيرة الواحدة والتاريخ الواحد يتقاسمان الأفراح والأتراح ويقفون معا في الشدة والرخاء

هذه هي الكرك التي نعرفها وهذه هي أخلاق أهلها التي تربينا عليها ولذلك فإن الجريمة لم تستهدف كنيسة وحدها بل استهدفت صورة المجتمع الذي عاش قرونا متماسكا رغم اختلاف المعتقدات

لكن الحزن وحده لا يكفي والغضب مهما اشتد لا يعفينا من طرح الأسئلة الصعبة

كيف تنمو مثل هذه الأفكار الإجرامية في مجتمع عرف بالتسامح والتآخي ومن أين تتسلل ثقافة التكفير والكراهية إلى عقول بعض أفراده وكيف تتحول هذه الأفكار إلى استعداد لقتل الأبرياء

إن مسؤولية الدولة اليوم لا تقف عند ملاحقة القتلة وتقديمهم إلى العدالة وإن كان ذلك واجبا عاجلا لا يحتمل التراخي بل تمتد إلى مراجعة جادة وشاملة للبيئات التي تسمح بانتشار الفكر المتطرف وللخطابات التي تزرع الكراهية وتشرعن إقصاء الآخر

نريد دولة تقتلع جذور الإرهاب بالفكر والقانون والتعليم والعدالة وتحصن المجتمع من دعاة التكفير والتحريض وتراقب بجدية كل من يحول المنابر أو وسائل التواصل أو التجمعات إلى أدوات لنشر العداء بين أبناء الوطن

ولا نعني بتنقية المجتمع استهداف الناس بسبب معتقداتهم أو آرائهم وإنما مواجهة كل من يروج للعنف ويحرض على القتل ويهدد السلم الأهلي وفق القانون وبالأدلة والعدالة

فالإرهاب لا يولد دائما يوم يحمل المجرم سلاحه بل قد تبدأ رحلته بكلمة تحريض وبفكرة تكفير وبخطاب كراهية يجد من يتسامح معه حتى يتحول إلى رصاص يحصد الأرواح

ومن واجب مؤسسات الدولة التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية أن تتحمل مسؤولياتها في بناء وعي وطني يرفض التطرف ويحترم حرية المعتقد ويجعل المواطنة أساس العلاقة بين الأردنيين دون تمييز

كما أن من حق عائلات الشهداء والأردنيين جميعا معرفة الحقيقة كاملة من خلال تحقيق مهني شفاف يكشف الجناة ودوافعهم وأي جهات يثبت تورطها في التخطيط أو التمويل أو التحريض دون استباق نتائج التحقيق أو إطلاق الاتهامات جزافا

إن هيبة الدولة الحقيقية تظهر حين تحمي مواطنيها جميعا وحين يشعر كل أردني أن حياته وكرامته وحقه في العبادة مصونة بقوة القانون دون تمييز

وليعلم هؤلاء القتلة ومن يقف وراءهم أن الكرك ليست أرضا خصبة لأفكارهم المريضة وأن رصاصهم مهما كان غادرا لن يستطيع أن يمحو قرونا من الأخوة ولا أن يزرع العداوة بين أبناء العائلة الأردنية الواحدة

لقد قتلوا أبرياء لكنهم لن يقتلوا المحبة التي جمعت أهل الكرك ولن يقتلوا التاريخ الذي جمع المسلمين والمسيحيين على هذه الأرض

رحم الله شهداء كنيسة حمود رحمة واسعة وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان ومن على الجرحى بالشفاء العاجل وربط على قلوب الأمهات والآباء والزوجات والأبناء الذين فقدوا أحبتهم في هذه الفاجعة

وأخيرا نقول إن دماء شهداء حمود ليست شأنا مسيحيا بل وجع أردني خالص وإن الكنيسة التي نزفت اليوم نزف معها قلب كل أردني شريف

فمن يقتل مسيحيا لأنه مسيحي يستطيع أن يقتل مسلما لأنه يختلف معه ومن يستبيح حرمة كنيسة اليوم لن يتردد في استباحة حرمة مسجد غدا

ولهذا فإن معركتنا ليست دفاعا عن كنيسة وحدها بل دفاع عن الأردن كله وعن إنسانية المجتمع وكرامته وحق أبنائه جميعا في الحياة والأمان

رحم الله شهداءنا جميعا وحمى الله الأردن من الإرهاب والقتلة وتجار الكراهية

وستبقى الكرك أكبر من رصاص الغدر وسيبقى الأردن وطنا لجميع أبنائه لا وطنا للقتلة والإرهابيين

عبدالسلام صالح الطراونة
تصميم و تطوير