مهنة صناعة مكانس القش في فلسطين تقاوم الاندثار بين التراث والواقع
في قرية روجيب الواقعة قرب مدينة نابلس بالضفة الغربية يواصل الشقيقان سليمان وصبري دويكات رحلة كفاح يومية للحفاظ على مهنة صناعة مكانس القش اليدوية التي توارثاها عن الآباء والأجداد. وعلى الرغم من التحديات المتزايدة وتغير أنماط الحياة التي باتت تهدد هذه الحرفة بالزوال يصر الشقيقان على ممارسة عملهما بمهارة عالية معتمدين على أدوات بسيطة كالمسلة والمقص وخيوط الربط والقش المستخلص من سيقان نبات الذرة.
أوضح سليمان دويكات أن هذه المهنة التي كانت يوما ما مصدرا رئيسيا للرزق في المنطقة تشهد تراجعا كبيرا في الطلب مقارنة بالماضي. وبين أنهم كانوا في السابق ينتجون كميات كبيرة تصل إلى 50 طنا في الموسم الواحد ويصدرونها إلى أسواق متعددة بما فيها الأردن وقطاع غزة. وأضاف أن العوامل الاقتصادية وتوافر البدائل الصناعية الحديثة قلصت نطاق استخدام المكانس التقليدية لتصبح اليوم أقرب إلى قطع تراثية تستخدم للزينة أو في مهام تنظيف محدودة داخل المنازل ذات الفناء الواسع.
كشفت الممارسة اليومية للشقيقين عن صعوبات لوجستية وميدانية تعيق استمرار هذه الحرفة. وبين سليمان أن التنقل عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية لجلب المواد الخام وتراجع اهتمام الشباب بتعلم أصول هذه الصنعة يعدان من أبرز العوائق التي تواجههم. وأشار إلى أن عملية الإنتاج تمر بمراحل دقيقة تبدأ بزراعة بذور القش في شهر مارس وتنتهي بحصادها في يوليو ثم تجفيفها وتهيئة سيقانها للربط والتشكيل.
أظهر الحاج صبري دويكات تمسكا كبيرا باستمرارية العمل رغم كل الظروف. وقال إنهم كانوا يزرعون مساحات شاسعة في سهول القرى المجاورة مثل بورين وبيت فوريك ولكن انتشار الحواجز وتخريب المحاصيل أدى إلى تراجع الزراعة المحلية. وأكد أن المهنة لا تزال تشكل دخلا معقولا وتعتبر جزءا أصيلا من الهوية التراثية التي يجب حمايتها من الاندثار. وأضاف بنبرة طريفة أن مكنسة القش كانت في الماضي جزءا من الموروث الاجتماعي والتربوي داخل البيوت الفلسطينية القديمة.
ختاما يظل الشقيقان دويكات رمزا للإصرار في مواجهة الحداثة. ورغم عدم وجود إقبال من الأجيال الشابة على تعلم هذه الحرفة إلا أنهما يواصلان إنتاج عشرات المكانس يوميا في محاولة للحفاظ على بصمة يدوية فلسطينية ترفض الاختفاء من ذاكرة المكان.
