اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاب الملك يرسم حدودا واضحة بين خيار السلام وحماية أمن الأردن ومصالحه

{title}
أخبار دقيقة -
  • خطاب الملك أمام الأمم المتحدة.. مواجهة للتقاعس الدولي وتحذير من اتساع الخطر الإسرائيلي

  • خطاب الملك يعيد فلسطين إلى صدارة الاهتمام ويحذر من كلفة غياب المساءلة

  • خطاب الملك يربط ما يجري في غزة والضفة بخطر يتجاوز حدود فلسطين

  • خطاب الملك أمام الأمم المتحدة يضع العالم أمام مسؤولياته تجاه فلسطين وأمن المنطقة

جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 81. بلغة مباشرة وحازمة تجاه الممارسات الإسرائيلية وتقاعس المجتمع الدولي. واضعا العالم أمام مسؤولياته إزاء استمرار الاحتلال والانتهاكات في غزة والضفة الغربية.

وحذر جلالته في خطابه من أن "الأطماع التوسعية" للحكومة الإسرائيلية باتت "تهديدا إقليميا". وأن أي تهديد لحدود الأردن الشمالية أو أمنه المائي هو "تهديد للأمن القومي".

وفي خطاب استحوذت فيه القضية الفلسطينية على مساحة رئيسية. انتقل الملك من التحذير من مخاطر تراجع الانتباه الدولي إلى مساءلة العالم عن عدم التحرك.

إذ أكد جلالته أن "التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجا عن قلة في الخيارات". وأن المجتمع الدولي يمتلك أدوات تشمل العقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر والعزل الدبلوماسي. لكنه استخدمها في قضايا أخرى. بينما تبقى القرارات عندما يتعلق الأمر بإسرائيل "حبرا على ورق".

واختصر الملك نتيجة هذا التقاعس بعبارة مباشرة: "والنتيجة هي دولة بلا رادع".

وربط جلالته بين ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة. رافضا التعامل معهما باعتبارهما قصتين منفصلتين. ومؤكدا أنهما "وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية". هدفها جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمرا مستحيلا.

كما وضع الملك اللغة المستخدمة في توصيف الممارسات الإسرائيلية في قلب خطابه. رافضا المصطلحات التي تخفف من فداحة ما يجري على الأرض. ومؤكدا أن هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية هو "ترحيل قسري". وأن الاستيلاء على الأراضي المحتلة "ضم فعلي". وأن منظومة نقاط التفتيش والحواجز الخانقة "منظومة قمعية".

واستهل الملك خطابه من فكرة "الانتباه". في عالم تتسارع فيه الأزمات والمآسي وحالات الطوارئ. معتبرا أن الانتباه لم يعد مجرد "مورد معرفي". بل أصبح أيضا "موردا جيوسياسيا".

وربط جلالته بين ما يختار العالم أن يوليه اهتمامه وبين النزاعات التي تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة. وتلك التي تتراجع إلى هامش جدول الأعمال. وبين استمرار رفض المعاناة الإنسانية وتحولها بمرور الوقت إلى أمر مألوف.

وحذر الملك من أن ما يهمله العالم اليوم غالبا ما يشكل مستقبله. مستعرضا تداعيات النزاعات الممتدة من لبنان إلى اليمن مرورا بالسودان. وما تتركه الأزمات من آثار تتجاوز حدودها الجغرافية إلى الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار وحياة الناس.

واستشهد جلالته بحرب إيران لإظهار مدى سرعة انتقال آثار عدم الاستقرار إلى خارج حدود المنطقة.

لكن المثال الأبرز الذي وضعه الملك أمام المجتمع الدولي كان القضية الفلسطينية.

- اختيار احتواء الصراع بدلا من التصدي لحله

ذكّر الملك بأنه وقف على مدى عقود أمام الجمعية العامة محذرا من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من دون حل. إلا أن المجتمع الدولي "اختار احتواء الصراع. بدلا من التصدي لحله".

وحذر من أن كل انتهاك إسرائيلي جديد يعامل باعتباره أمرا مؤقتا. بما يصرف الانتباه عن الواقع الذي يفرض تدريجيا على الأرض. "حتى أصبح المؤقت دائما. وأصبح الدائم نهجا".

ومن هذه النقطة انتقل الخطاب إلى مساءلة قيمة القانون الدولي نفسه في ظل استمرار أحد أطول فترات الاحتلال في العالم. متسائلا عن قيمة القانون الدولي إذا كان من الممكن تجاهله لعقود. وعن إمكانية تطبيقه إذا لم يجر حتى الاعتراف بانتهاكاته.

- غزة.. الأدلة دامغة

وفي غزة. قال جلالة الملك إن "الأدلة دامغة". مشيرا إلى استشهاد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني خلال أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار. واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية هناك.

وأشار جلالته إلى الجهود الحثيثة التي بذلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق السلام وإيجاد مسار لإنهاء الحرب. لكنه أكد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستمر في تجاهل الاتفاق ومواصلة هجماتها وتدمير البنية التحتية المدنية في القطاع. وترفض الانسحاب. وتضيق الخناق على الفلسطينيين لحصرهم فيما لا يكاد يصل إلى ثلث مساحة غزة.

وبالتوازي مع ذلك. قال الملك إن إسرائيل تضيق قبضتها على الضفة الغربية. حيث تستولي على الأراضي وتوسع المستوطنات وتطرد الفلسطينيين.

- حان الوقت ليواجه العالم حقيقة ما يحدث

وفي واحد من أكثر تصريحات الخطاب مباشرة. دعا الملك العالم إلى مواجهة حقيقة ما يحدث. مؤكدا أنه "حين لا تعكس الكلمات فداحة الأفعال. يصبح غير المقبول مألوفا".

وسمى جلالته الممارسات بمسمياتها. مؤكدا أن هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية ليس "تنفيذا للقانون". بل ترحيل قسري. وأن الاستيلاء على الأراضي المحتلة ليس "تسجيلا للأراضي". بل ضم فعلي لها.

وأكد أن منظومة نقاط التفتيش والحواجز الخانقة ليست بنية تحتية "أمنية". بل "منظومة قمعية". وأن الهجمات الممنهجة على التجمعات السكانية الفلسطينية ليست "شغب مستوطنين".

وتوقف الملك عند انتقاد الحكومة الإسرائيلية أعمال العنف في المحافل الدولية. ووصفها المسؤولين عنها بأنهم "حفنة من مثيري الشغب". وتأكيدها أن إسرائيل دولة يحكمها القانون.

وأكد جلالته أن ما يحدث في أنحاء الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة. وإنما ممارسات مترابطة تشكل جزءا من "سياسة واحدة" تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه.

ووضع الملك المصطلح المباشر لهذه السياسة قائلا: "التهجير القسري. وهو جريمة حرب".

- غزة والضفة وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية

وطالب الملك العالم بالتخلي عن "بعض الأوهام" إذا كان يريد حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي مقدمتها الاعتقاد بأن غزة والضفة الغربية قصتان منفصلتان.

وأكد أنهما "وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية". ففي كلتيهما يقتل الفلسطينيون ويجري العمل على فرض واقع جديد على الأرض. عبر التدمير في غزة. والضم الفعلي للأراضي في الضفة الغربية.

وحدد الملك الهدف من ذلك بصورة مباشرة: "جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمرا مستحيلا".

ورفض جلالته وهما آخر يتعلق باعتبار رفض القيادة الإسرائيلية للدولة الفلسطينية موقفا قابلا للتغيير. مؤكدا أنه "لن يتغير. بل يجري تكريسه على الأرض".

وأشار إلى تسريع الحكومة الإسرائيلية عمليات الاستيطان ومصادرة الأراضي. موضحا أن هذه الإجراءات لم تبدأ حديثا. وأن الخريطة تتغير منذ اتفاق أوسلو "شيئا فشيئا. مستوطنة تلو الأخرى".

- السلام العربي في مواجهة الأوهام

وفي مقابل ذلك. وصف الملك الاعتقاد بأن الدول العربية لم تسع يوما للسلام بأنه "الوهم الأخطر". مستذكرا مبادرة السلام العربية لعام 2002. التي عرضت على إسرائيل تطبيع العلاقات مع 57 دولة عربية ومسلمة. شملت إيران والعراق في حينها. مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية.

كما رفض جلالته محاولات تصوير الصراع على أنه ديني. مؤكدا أن القضية ليست صراعا بين الإسلام من جهة والمسيحية واليهودية من جهة أخرى. بل تتعلق بحقوق الفلسطينيين. مسلمين ومسيحيين.

وجاء طرح مبادرة السلام العربية في قلب خطاب شديد الوضوح تجاه الممارسات الإسرائيلية ليؤكد تمسك الأردن بخيار السلام العادل. مع رفض الوقائع التي تفرض بالقوة على الأرض.

- التقاعس هو خيار

وبعد تشخيص الواقع على الأرض. انتقل جلالة الملك إلى السؤال الذي وضعه أمام المجتمع الدولي: "هل سنتحرك؟". مؤكدا أن التقاعس السياسي العالمي ليس ناجما عن نقص الخيارات. قائلا: "دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: هذا التقاعس هو خيار".

وعدد الأدوات التي يمتلكها المجتمع الدولي. ومنها العقوبات. وتجميد الأصول. وفرض الحظر. والعزل الدبلوماسي. مؤكدا وجود سجل باستخدامها "في قضايا أخرى".

لكن جلالته قال إنه عندما يتعلق الأمر بإسرائيل "تبقى القرارات حيث بدأت: حبرا على ورق". ثم حدد النتيجة مباشرة: "والنتيجة هي دولة بلا رادع".

وحذر الملك من أن شعور الحكومة الإسرائيلية بقدرتها على الإفلات من العقاب وصل إلى "مراحل مرعبة". وأنها لم تعد ترى نفسها مضطرة حتى إلى التساؤل عما إذا كانت تستطيع الإفلات بأفعالها. "لأنها تعرف الإجابة مسبقا".

- الأطماع التوسعية تهديد إقليمي

ولم يحصر الملك تحذيراته في فلسطين. بل أكد أنه لا ينبغي لأحد أن يعتقد أن طموحات الحكومة الإسرائيلية ستقف عندها.

وقال جلالته إن "الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديدا إقليميا". واضعا سوريا مثالا وإنذارا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباها.

وأشار إلى التوغلات المتكررة والتوسع الجغرافي وفرض حقائق جديدة على الأرض في سوريا. ومنها ما يمس مصادر مائية حيوية.

ووصف الملك النهج الإسرائيلي بأنه يجري "بخطوة محسوبة تلو الأخرى". مؤكدا أن إسرائيل تختبر إلى أي مدى يمكنها الاستمرار. وأنها في كل مرة يشيح فيها المجتمع الدولي بنظره تستنتج أن باستطاعتها التمادي أكثر وتجاوز "الحدود الجغرافية والقوانين".

- لن يشيح الأردن بنظره

وعندما انتقل الخطاب من المشهد الإقليمي إلى أمن الأردن. جاءت رسالة الملك مباشرة وحاسمة. إذ قال جلالته: "أما بالنسبة للأردن. فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي".

وأضاف: "لن يشيح الأردن بنظره. بل سنحمي أمننا. ومياهنا. ومصالح شعبنا".

ووضع الملك أمام المجتمع الدولي سؤالا يتعلق باستمرار إسرائيل في "نهجها العدواني في جنوب سوريا". وما إذا كان العالم سيدعها تتمادى من دون أن يحرك ساكنا.

وبذلك. ربط الخطاب بين التحذير من التطورات الإقليمية وبين موقف أردني واضح تجاه الحدود والأمن المائي والمصالح الوطنية.

وفي مقابل عالم تتلاحق فيه الأزمات. قدم الملك النهج الأردني القائم على عدم الاختيار بين الاستجابة للأزمات وبناء المستقبل. مؤكدا أن الأردن "يمضي بالمسارين معا".

وأشار جلالته إلى تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط من خلال دور الأردن مركزا للتجارة والصناعة والتكنولوجيا. بالتوازي مع التصدي للأزمات الإنسانية الطارئة.

كما أكد مواصلة التصدي للإرهاب في المنطقة وخارجها. بالتزامن مع تطوير القدرات الدفاعية لمواجهة تهديدات مثل تهريب المخدرات.

ووضع الملك حماية المسيحية. مجتمعاتها وإرثها في موطنها الأصلي والتاريخي. إلى جانب الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية. ضمن النهج ذاته.

- لا تراجع عن السلام العادل والأونروا

وفي قلب هذه المسارات. أكد الملك أن الأردن لن يتخلى عن التزامه بالسلام العادل.

وقال جلالته إن الأردن سيستمر في دعم الصمود الفلسطيني ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". وسيواصل حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

ووضع الملك هذه الثوابت ضمن النموذج الذي يسعى الأردن إلى بنائه. "نموذج يستند إلى القيم والمبادئ. ويتسم بالانفتاح والثبات. في زمن يندر فيه اليقين وتتبدل فيه الحسابات السياسية من يوم إلى آخر".

وأكد أن الأردن "بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه". وفي لمبادئه. ملتزم بمواقفه. مستعد للحوار مع الجميع. ومستعد للعمل مع كل من يسعى للسلام.

وفي رسالة حاسمة بشأن موقع الدبلوماسية في السياسة الأردنية. أكد الملك أن تمسك الأردن بها لا يعلو على التزامه بالقيم الإنسانية.

وحذر جلالته من اعتبار هذه الدبلوماسية أمرا مسلما به أو "إساءة تقديره على أنه ضعف".

وبذلك جمع الخطاب بين التمسك بالسلام والحوار من جهة. وبين وضوح موقف الأردن في حماية أمنه ومياهه ومصالح شعبه من جهة أخرى. مع تثبيت المواقف تجاه القضية الفلسطينية والقدس.

واختتم الملك خطابه بإعادة النقاش إلى الفكرة التي بدأ منها: قوة الانتباه وخطورة أن تصبح المبادئ رهينة لتقلبه.

وأكد جلالته أنه سواء كان الأمر في غزة أو السودان أو أوكرانيا أو في أي مكان تعيش فيه الشعوب الحروب والتهجير والخوف. وسواء بدأ الصراع قبل أسابيع أو امتد لعقود. "لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم".

كما أكد أن القوة العسكرية لا تستطيع تقديم حلول فاعلة؛ فهي لا تطعم الجياع. ولا تضمن عودة المهجرين. ولا تبني السلام.

ووضع الملك في مقابل ذلك الحاجة إلى مؤسسات تتمتع بالشرعية وإلى الثقة بين الدول وفي الاتفاقيات. والثقة بأن القوانين ستطبق فعليا. محذرا من أن المستقبل لا يتشكل بما يفعله العالم فقط. "بل بما نختار أن نتجاهله أيضا".

تصميم و تطوير