تداعيات الحرب: ارتفاع اسعار الطاقة يضغط على مواطني المانيا وفرنسا
في ظل أزمة طاقة عالمية متصاعدة، تجد أوروبا نفسها في مواجهة تحديات جديدة نتيجة للاضطرابات الجيوسياسية وتأثيراتها على أسواق النفط. قفزت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، مما دفع الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات سريعة لتجنب انتقال الأزمة إلى المستهلكين.
أعلنت فرنسا وألمانيا، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية ومجموعة السبع، عن الإفراج عن مخزوناتهما الاستراتيجية من النفط، في خطوة تهدف إلى تهدئة الأسواق وكبح جماح الأسعار. هذه الخطوة تعكس في الوقت نفسه هشاشة التوازن الطاقي الأوروبي أمام الصدمات الجيوسياسية.
السؤال الذي يطرح نفسه في باريس وبرلين اليوم يتعلق بتأثير هذه الإجراءات على المواطنين والاقتصاد المحلي.
في فرنسا، أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تغيير في سلوك المستهلكين. وشهدت محطات الوقود ارتفاعا في الأسعار تجاوز 2 يورو للتر، وهو مستوى يثير مخاوف سياسية واجتماعية، ويعيد إلى الأذهان احتجاجات "السترات الصفراء".
اقتصاديا، يؤثر ارتفاع أسعار الطاقة على مختلف القطاعات، حيث زادت تكلفة النقل، وظهر ذلك في أسعار المواد الغذائية والخدمات. وتواجه الشركات ضغوطا نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، مما يهدد أرباحها ويؤثر على السوق.
أكدت الحكومة الفرنسية أن استخدام الاحتياطيات النفطية هو إجراء مؤقت وليس حلا طويل الأمد. فرنسا، العضو في وكالة الطاقة الدولية منذ عام 1992، ملزمة بالاحتفاظ باحتياطي نفطي يكفي 90 يوما على الأقل من الواردات. حاليا، يتجاوز الاحتياطي الفرنسي هذا الحد، حيث يبلغ 118 يوما من صافي الواردات، أي حوالي 16 مليون طن من المواد الهيدروكربونية.
بعد توقف روسيا عن إمداد أوروبا بالغاز، الذي كان يمثل 40% من الاستهلاك، قررت الدول الأوروبية وقف واردات النفط الروسي.
يشير جون بيير فافينيك، المتخصص في جيوسياسة الطاقة، إلى الإجراءات التي اتخذتها الدول الأوروبية للتكيف مع نقص الغاز الروسي، باستبداله بالغاز الأمريكي والنرويجي والجزائري، وتقليل الاستهلاك وتطوير الطاقات المتجددة.
أوضح فافينيك أن فرنسا، التي كانت رائدة في مجال الطاقة النووية، أهملت هذا المصدر من الطاقة، ولكنها الآن تعمل على إحيائه من خلال بناء محطات طاقة جديدة.
تقول ماريا، المتقاعدة في قطاع الصحة، إن ارتفاع الأسعار يجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها اليومية، موضحة أن معاشها التقاعدي لم يعد كافيا لتغطية احتياجاتها الأساسية بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.
تضيف ماريا أن هذا الواقع يضعها أمام خيارات صعبة، كالمفاضلة بين شراء الأدوية أو تدفئة المنزل، مشيرة إلى أن غلاء المعيشة يمثل عبئا ثقيلا عليها وعلى كل من يعتمد على دخل محدود في فرنسا.
من جانبه، يؤكد الموظف بابتيس أن راتبه لم يشهد أي زيادة تذكر منذ سنوات، في حين ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ، خاصة الوقود والكهرباء والمواد الغذائية.
يقول بابتيس إنه لم يعد قادرا على الادخار أو تحسين وضعه المعيشي، واضطر لتقليص مصاريفه والتخلي عن بعض العادات.
في ألمانيا، حيث الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد، تبدو تداعيات الأزمة أكثر تعقيدا. أعلنت برلين عن الإفراج عن جزء من احتياطاتها النفطية في إطار التنسيق الدولي.
رغم أن ألمانيا تمتلك احتياطات تغطي نحو 90 يوما من الاستهلاك، فإن الارتفاع السريع في أسعار الوقود أثار قلقا واسعا.
تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم خلال العام الجاري، مع تأثير محدود على النمو الاقتصادي.
تبحث الحكومة الألمانية عن مزيج من الإجراءات، يتراوح بين الرقابة على الأسعار وإلغاء رسوم تخزين الغاز، وخفض ضريبة الكهرباء، إلى جانب العمل على خفض سعر الكهرباء لقطاع الصناعة وتقليل البيروقراطية.
أشارت الناطقة باسم وزارة الاقتصاد سوزانا أونغراد إلى أن أمن الإمدادات الألمانية "مضمون حاليا"، لأن البلاد تستورد كميات قليلة من النفط الخام من الخليج، والتي يمكن تعويضها من النرويج أو بريطانيا أو كازاخستان.
أوضحت أونغراد أن ألمانيا ستعمل على الإفراج عن جزء من احتياطها النفطي بناء على طلب وكالة الطاقة الدولية، بحصة تبلغ 4.9%، أي 2.647 مليون طن (نحو 19.4 مليون برميل نفط).
وحول ضبط الأسعار في السوق، أكدت أن الحكومة الألمانية تتخذ إجراءات ضد أسعار الوقود المفرطة مستندة في ذلك إلى اللوائح القانونية، مسلطة الضوء على موضوع فرض قانون على تعديل أسعار الوقود في المستقبل.
يقوم هذا القانون على السماح لمحطات الوقود بزيادة الأسعار مرة واحدة في اليوم في الساعة الثانية عشرة، مع إمكانية خفضها في أي وقت وبأي عدد من المرات.
وتعليقا على التصريحات الحكومية، أوضحت الخبيرة في الاقتصاد الدولي نجاة عبد الحق أن الهدف من الإفراج عن جزء من الاحتياطي النفطي هو تهدئة الرأي العام، خاصة وأن مجمل الاحتياطي الألماني يكفي 90 يوما فقط، معتبرة أن سبب ارتفاع الأسعار يعود إلى "خطر الندرة" وليس الندرة نفسها.
تقول أنتشه، ابنة الستين عاما، إنها بدأت تفكر مليا قبل استقلال سيارتها لشراء مستلزمات البيت أو زيارة ابنتها، التي تسكن في الطرف الآخر لمدينة برلين.
تضيف أنتشه أنها بدأت باستخدام المواصلات العامة رغم صعوبة التنقل مما يكلفها وقتا أطول ويشعرها في كل مرة بإرهاق جسدي.
تؤكد أنتشه أن ارتفاع الأسعار لم يقتصر على المحروقات، بل وصل إلى الحاجيات الأساسية، وتخشى من قيام شركات تأجير البيوت برفع الأجرة الشهرية، مما يضعها أمام تحديات حقيقية لأن راتبها بالكاد يكفي حتى نهاية الشهر.
من جهته، عبر ماتياس، صاحب الشركة الناشئة عن فرحته لتحسن الطقس ما يجعله يعتمد على دراجته الهوائية للوصول إلى مكتبه، الذي يبعد نحو 15 كيلومترا عن مكان إقامته.
لكنه يضطر لاستخدام سيارته عندما يكون لديه أكثر من موعد في اليوم. ويؤكد ماتياس أن الكثير من زبائنه يفضلون اللقاءات عبر الإنترنت لتفادي استخدام سياراتهم، بعدما ارتفعت أسعار المحروقات بشكل مفاجئ.
أما إياد، صاحب أحد أشهر المطاعم العربية في برلين، فعبر عن خيبة أمله الكبيرة تجاه سياسة الحكومة الحالية، التي تصر على موقفها تجاه العقوبات المفروضة على روسيا، ما يحول دون العودة لاستيراد الغاز الروسي، وهذا يزيد -برأيه- من استمرار رفع أسعار المواد الغذائية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل.
بدأت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية طرح مخزونات النفط الاستراتيجية التي أعلنت عنها في منتصف مارس/آذار الجاري. وسيتم توفير ما مجموعه 426 مليون برميل، معظمها من النفط الخام.
لكن الواقع أن تأثير هذه القرارات لا يقاس فقط بالأرقام أو بحجم البراميل التي تضخ في السوق. فبين القلق من تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، وبين مخاوف الشركات من ارتفاع تكاليف الإنتاج، تحاول أوروبا إيجاد حل لمعادلة دقيقة: كيف يمكن امتصاص الصدمة دون الوقوع في أزمة أعمق؟
يرى الخبير الاقتصادي فولفغانغ مولكه أن الحكومة الألمانية لم تعلن بعد عن استراتيجية محددة لمواجهة احتمالية نقص الإمدادات، غير مستبعد تأثير الحرب على آفاق نمو الصناعة الألمانية كلما طال أمدها.
يؤكد مولكه أن على برلين التركيز على الجهود المبذولة لإنهاء الحرب، مشيرا إلى أن خفض ضريبة الطاقة قد يكون خيارا لدعم الصناعة.
أفادت تقارير رسمية بإفلاس شركة كل 20 دقيقة العام الماضي، ليصل عدد الشركات الألمانية المفلسة إلى أكثر من 24 ألفا، بزيادة فاقت 10.3%.
يعتقد مولكه أن عدد حالات الإفلاس سيبقى عند مستوى مرتفع، قائلا : "الأزمات هي فقط عامل مسرع. الشركات التي تعمل في المنافسة الدولية تعاني من ارتفاع التكاليف في ألمانيا وقد لا تتمكن أحيانا من مجاراة المنافسين. ومع ذلك، يبقى الوضع الجيوسياسي خطرا دائما على التطور الاقتصادي، وبالتالي على حالات الإفلاس أيضا".
رغم أن الإفراج عن الاحتياطات النفطية يوفر متنفسا مؤقتا للأسواق، فإن خبراء الطاقة يجمعون على أنه لا يمكن أن يشكل حلا دائما، لأنها صممت لمواجهة صدمات قصيرة الأمد.
كما أن تأثير هذه الخطوة على الأسعار يظل محدودا زمنيا، إذ يعتمد أساسا على تطورات الوضع الجيوسياسي. فإذا استمرت التوترات أو تصاعدت، قد تعود الأسواق إلى حالة الاضطراب، مما يعني عودة الضغط على المستهلكين والحكومات على حد سواء.
عند سؤال فافينيك عما إذا كان لقرار وكالة الطاقة الدولية تأثير حقيقي على أسعار النفط، أشار إلى الولايات المتحدة كمثال. وتمتلك الأخيرة ما يسمى بالاحتياطي البترولي الاستراتيجي ويبلغ مليار برميل. واستخدم مرة واحدة فقط عام 2005 بعد إعصار كاترينا الذي دمر منشآت إنتاج النفط ومصافي النفط، مما أدى إلى نقص حاد في النفط الخام والوقود.
يعتقد فافينيك أن استخدام المخزونات الاستراتيجية سلاح ذو حدين يهدف إلى إرسال رسالتين. الأولى أن الوضع خطير، والثانية مفادها أنه لا داعي للقلق لأن الأمور تحت السيطرة.
في المحصلة، تكشف هذه الأزمة مرة أخرى عن التحدي الذي تواجهه أوروبا مرارا: تحقيق التوازن بين تأمين الإمدادات على المدى القصير، وتسريع التحول الطاقي على المدى الطويل.
وبين هذين المسارين، يبقى المواطن الأوروبي في قلب الأزمة، يتحمل تكلفة التقلبات الداخلية والتوترات الخارجية، وينتظر حلولا تتجاوز منطق إدارة الأزمات نحو بناء استقرار دائم.
