توقف انتاج اليوريا في قطر يهدد سوق الأسمدة العالمي

{title}
أخبار دقيقة -

أعلنت مجموعة قطر للطاقة عن قرار بوقف إنتاج مجموعة من منتجاتها الكيميائية والبتروكيميائية، وعلى رأسها مادة اليوريا، وذلك استكمالا لقرار سابق بوقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال. وتزامن هذا الإجراء مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج.

ربطت وكالة رويترز بين اضطراب سوق الأسمدة والأحداث الجارية، مشيرة إلى أن تعطل سلاسل الشحن عبر مضيق هرمز قد رفع علاوات المخاطر على النقل والتأمين، مما يضغط على الإمدادات المتجهة إلى آسيا قبل الموسم الزراعي.

اليوريا ليست مجرد مركب كيميائي، بل هي من أكثر منتجات النيتروجين تداولا في العالم، وأي اضطراب في استقرارها قد يرفع فورا كلفة المدخلات الزراعية ويتبعه قفزات في أسعار الغذاء العالمية.

اليوريا.. حزمة النيتروجين التي تحرك الأسواق والصناعات

تكمن أهمية اليوريا في كونها أكثر الأسمدة النيتروجينية كثافة وانتشارا في التجارة العالمية، حيث تبلغ نسبة النيتروجين فيها 46% على أساس جاف، وفقا لمواصفات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو". وهذا يمنحها ميزة لوجستية في النقل والتخزين والاستخدام في المحاصيل الإستراتيجية.

توصف اليوريا في الأدبيات الزراعية بأنها "حزمة النيتروجين" التي تدعم الإنتاج الزراعي العالمي.

استخدامات اليوريا:

لا يقتصر دور اليوريا على الزراعة، بل هي مركب وسيط مهم في الصناعات الكيميائية التحويلية، ومنها:

  • إنتاج راتنجات اليوريا-فورمالدهيد، التي تدخل في صناعة الأخشاب الصناعية والألواح المضغوطة والمواد اللاصقة المستخدمة في قطاعي البناء وصناعة الأثاث.
  • تدخل في تصنيع بعض اللدائن والمواد العازلة والمنتجات الكيميائية الوسيطة.
  • يمتد استخدامها كذلك إلى قطاع النقل، إذ تدخل في تصنيع محاليل معالجة انبعاثات الديزل المعروفة باسم "أدبلو" أو محلول عادم الديزل.
  • تستخدمها الشاحنات والمركبات الثقيلة ضمن أنظمة الاختزال التحفيزي الانتقائي للحد من انبعاثات أكاسيد النيتروجين وفق المعايير البيئية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

اقتصاديا:

  • يعمل ارتفاع أسعار اليوريا محركا لآلية انتقال متعددة المستويات تبدأ في الحقول الزراعية لكنها تمتد إلى قطاعات أخرى.
  • يؤدي ارتفاع الأسعار إلى رفع كلفة التسميد للهكتار الواحد، مما يدفع المزارعين -خصوصا في الدول ذات الدعم المحدود- إلى تقليص الجرعات السمادية أو تأخير الشراء.
  • نقص النيتروجين في مراحل حساسة من دورة المحصول يؤدي إلى تراجع الغلة الإنتاجية، وهو ما يغذي موجات التضخم الغذائي وفقا لوزن الغذاء في سلة المستهلك.

قطر في قلب مركز إنتاج اليوريا

يحتل الخليج العربي موقعا مهما في خريطة إنتاج الأسمدة النيتروجينية العالمية، مستفيدا من وفرة الغاز الطبيعي، المادة الخام الأساسية لإنتاج الأمونيا واليوريا. وقد سمح هذا بتطوير صناعة أسمدة ضخمة موجهة أساسا للتصدير.

تقع قطر في قلب هذه المنظومة، حيث تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 5.6 ملايين طن متري سنويا من اليوريا، إضافة إلى 3.8 ملايين طن من الأمونيا، وفقا لبيانات شركة "قافكو" التابعة لقطر للطاقة. وتعتبر الشركة نفسها أكبر مصدر لليوريا من موقع إنتاج واحد في العالم.

صناعة اليوريا لا تقتصر على قطر، فشركة "فيرتغلوب" الإماراتية-الهولندية تملك طاقة إنتاجية تبلغ نحو 6.6 ملايين طن سنويا من اليوريا والأمونيا التجارية عبر منشآتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومنشأة "أوميفكو" في سلطنة عُمان مصممة لإنتاج نحو 1.65 مليون طن سنويا من اليوريا المحببة. وفي السعودية، تعمل شركة "سابك للمغذيات الزراعية" على تطوير قدرات إضافية لإنتاج اليوريا والأمونيا.

هذا التركز الإنتاجي يفسر حساسية السوق العالمية لأي اضطراب في الخليج، حيث تمثل دول الخليج أحد أهم مصادر اليوريا في التجارة الدولية.

هرمز يفرض "علاوة حرب"

يضاعف العامل الجيوسياسي من تأثير توقف الإنتاج، لأن جزءا كبيرا من تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر الخليج ومضيق هرمز. وذكرت وكالة رويترز أن الحرب بدأت تعطل إمدادات الأسمدة عالميا نتيجة اضطراب الشحن البحري وارتفاع تكاليف التأمين، مما يهدد تدفق الإمدادات إلى الأسواق الزراعية في آسيا.

تؤدي التوترات العسكرية إلى ارتفاع ما يعرف في الأسواق بعلاوة المخاطر، حيث ترتفع أسعار الشحن والتأمين وتتزايد احتمالات تأخير السفن أو تغيير مساراتها. ولا يقتصر تأثير هذه العوامل على تكاليف النقل فقط، بل يمتد أيضا إلى التمويل التجاري، حيث قد تتشدد المصارف وشركات التأمين في شروطها في فترات التوتر العسكري.

يرى خبراء التجارة الدولية أن المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية قد تكون أحيانا أكثر تأثيرا من توقف الإنتاج نفسه، لأن تعطل الطريق قد يمنع وصول الإمدادات حتى لو استمر الإنتاج في بعض المناطق.

قفزات سعرية تسبق العجز

بدأت الأسواق العالمية بالفعل في التفاعل مع هذه التطورات، حيث أظهرت بيانات منصة "إنفستنغ دوت كوم" أن "مؤشر اليوريا المحببة فوب الشرق الأوسط" ارتفع بسرعة في الأيام الأولى من مارس، حيث صعد السعر من نحو 485 دولارا للطن إلى قرابة 597 دولارا للطن في فترة قصيرة، بزيادة قدرها 23%.

يعكس هذا الارتفاع توقعات المتعاملين في السوق بأن الإمدادات قد تتعرض للضغط نتيجة توقف الإنتاج في قطر وارتفاع المخاطر اللوجستية في الخليج. وغالبا ما تتفاعل الأسواق المالية بسرعة مع هذه المخاطر لأن العقود المستقبلية للأسمدة تعتمد على تقييمات أسعار تنشرها مؤسسات متخصصة في بيانات الطاقة والمواد الأولية.

خريطة المتضررين.. آسيا في عين العاصفة

يظهر التأثير الأكبر لارتفاع أسعار اليوريا في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الزراعية. وذكرت رويترز أن دولا آسيوية عدة، ومن بينها الهند، تعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة من الشرق الأوسط، مما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار إذا تعطلت الإمدادات.

اضطراب الشحن من الخليج قد يضغط أيضا على أسواق أمريكا اللاتينية، بما في ذلك البرازيل، وهي من أكبر مستوردي الأسمدة في العالم وتعتمد على الواردات لدعم قطاعها الزراعي الضخم. وفي هذه الحالات، قد تجد الحكومات نفسها أمام خيارات صعبة، إذ يمكنها زيادة دعم الأسمدة لحماية المزارعين، أو السماح بارتفاع الأسعار وتحمل تبعات التضخم الغذائي، أو محاولة إدارة الطلب عبر سياسات تقنين أو توجيه للإمدادات.

سيناريوهات السوق

يتوقف التأثير النهائي لتوقف إنتاج اليوريا في قطر على مدة الاضطراب ومدى استمرار المخاطر في الخليج. فإذا استمر التوقف فترة قصيرة، قد تتمكن الأسواق من امتصاص الصدمة عبر المخزونات وزيادة الإنتاج لدى بعض المنتجين الآخرين.

أما إذا استمر التوقف أشهرا أو تزامن مع اضطراب طويل في الشحن عبر مضيق هرمز، فقد تواجه الأسواق العالمية نقصا ملموسا في الإمدادات، مما قد يؤدي إلى ارتفاع طويل الأمد في أسعار الأسمدة، وربما انتقال جزء من هذه الزيادة إلى أسعار الغذاء. وفي السيناريو الأكثر حدة، قد تتحول الأزمة إلى صدمة مزدوجة تشمل الإنتاج والنقل معا، مما يخلق اختناقات في سلاسل الإمداد ويزيد من تقلبات الأسواق الزراعية.

تصميم و تطوير