تداعيات الحرب الإيرانية: قلق في الأسواق العراقية وترقب لارتفاع الأسعار

{title}
أخبار دقيقة -

بغداد - يسود القلق أسواق العاصمة العراقية بغداد، حيث تبدو الحركة التجارية أهدأ من المعتاد في سوق الشورجة، أحد أقدم وأكبر الأسواق التجارية. التجار يتبادلون أطراف الحديث عن سعر الدولار، وتكلفة الاستيراد، والتعرفة الجمركية، بينما يحمل المتسوقون أكياسا ممتلئة بالمواد الأساسية، ما يعكس مخاوف متزايدة من تأثيرات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط على الاقتصاد العراقي.

الحرب الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية لم تعد مجرد خبر عابر، بل جزءا من الحياة اليومية للعراقيين، خاصة بعد وصول تداعياتها إلى مدن عراقية عدة. أصحاب الأعمال والتجار يراقبون السوق بحذر، والمستهلكون يعيدون ترتيب أولوياتهم الشرائية، لتتحول الأسواق إلى مرآة تعكس هواجس الناس وتوقعاتهم للمستقبل.

في أسواق الجملة، يلاحظ التجار تحولا في أولويات المستهلكين منذ تصاعد التوترات الإقليمية. العائلات تتجه نحو شراء المواد الأساسية بكميات أكبر، تحسبا لارتفاع أسعار السلع الغذائية مثل الأرز، الزيوت، السكر، الطحين، والبقوليات.

حسن البلداوي، تاجر مواد غذائية في سوق الشورجة، قال للجزيرة نت إن حركة البيع لم تتراجع كثيرا، لكن طبيعتها تغيرت. وأضاف أن الناس يركزون على المواد الأساسية أكثر من ذي قبل، ويشترون كميات كبيرة خوفا من ارتفاع الأسعار أو امتداد الحرب إلى العراق.

البلداوي أعرب عن قلقه بشأن توفر السلع في السوق العراقية، خاصة وأن معظمها مستورد، ما يجعلها عرضة للشح في حال حدوث أي اضطراب في طرق النقل أو ارتفاع تكاليف الشحن.

وفي سوق حي العامرية غربي بغداد، يتابع عمر عبد الله، صاحب محل لبيع الأجهزة الكهربائية، الأخبار على هاتفه. وأشار إلى أن أي تصعيد في المنطقة قد يؤثر على النقل والأسعار، لذلك يحاولون توخي الحذر في الشراء لتجنب الخسائر، موضحا أن بعض التجار قللوا من كميات البضائع التي يطلبونها من الموردين، في انتظار تطورات الأوضاع.

في المقابل، يظهر الحذر في إنفاق العائلات العراقية، حيث قلل العديد من المتسوقين مشترياتهم من السلع غير الضرورية، مفضلين الاحتفاظ بجزء من دخلهم تحسبا لأي تطورات اقتصادية مفاجئة.

أحمد جاسم، موظف حكومي، غير من سلوكه الشرائي ويركز الآن على الضروريات فقط، محاولا توفير المال بسبب الوضع الاقتصادي غير المستقر، واحتمال تأخر الرواتب الشهرية.

انتصار حسين، ربة منزل، أوضحت أن القلق الحالي مرتبط بتجارب سابقة عاشها العراقيون خلال الأزمات الاقتصادية والأمنية، قائلة: "العراقيون مروا بظروف صعبة من قبل، خاصة في وقت الحصار، ما جعلنا مستعدين لأي طارئ".

رغم القلق الشعبي، أكدت وزارة التجارة العراقية وجود مخزون غذائي استراتيجي يكفي لتلبية احتياجات البلاد في حالات الطوارئ لمدة عام كامل من الحبوب، و6 أشهر من المواد الغذائية ضمن نظام البطاقة التموينية، بالإضافة إلى مخزون القطاع الخاص.

المتحدث باسم وزارة التجارة، محمد حنون، بين أن العراق حقق مستويات عالية في إنتاج محصول الحنطة محليا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ووصل إلى 6.4 ملايين طن، مشيرا إلى أنه تم توجيه جزء من الإنتاج إلى دول مثل سوريا، تونس، ولبنان، لأن المخزون كان جيدا العام الماضي.

وأضاف حنون أن الأسواق العراقية ما تزال طبيعية ولم تتأثر بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، مؤكدا أن الوزارة اتخذت إجراءات قانونية ضد محاولات الاحتكار، وتتابع فرق رقابية الأسعار في الأسواق.

وأوضح أنه رغم اعتماد البلاد على استيراد العديد من المواد الغذائية من إيران، إلا أن العراق يبحث عن منافذ تصديرية أخرى إذا ما استمرت الحرب فترة طويلة.

على الرغم من التطمينات الحكومية، يشير خبراء الاقتصاد إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة السوق على الحفاظ على استقرار الأسعار وضمان استمرار تدفق السلع في ظل الاضطرابات الإقليمية.

الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي وصف الوضع الاقتصادي العراقي بالصعب والحرج، مؤكدا أن النظام الاقتصادي العراقي أصبح بلا رقابة منذ عام 2003، ما جعل الأسواق المحلية عرضة للهزات.

وأوضح الشيخلي أن الوضع أصبح أكثر حرجا بعد تضييق تصدير النفط وإغلاق مضيق هرمز، مبينا أنه رغم ارتفاع أسعار النفط عالميا، فإن أجور النقل والتأمين تقلل من هذه الزيادة.

الشيخلي لا يستبعد تأثر عمليات الاستيراد بشكل مباشر بحرب إيران، لأن السوق العراقية تستورد كل شيء بعد توقف المصانع الرئيسة، ولا توجد خطة حكومية لإعادة تفعيلها.

وأشار إلى أن المخاطر ستزداد مع استمرار الحرب، فالموازنة التشغيلية لن تغطي حاجة البلاد لأكثر من 6 أشهر، وقد يتأثر الاستيراد لأن الاحتياطات النقدية لا تكفي لأكثر من 12 شهرا.

ولفت الشيخلي إلى أن البنك المركزي العراقي كان يحول مبالغ كبيرة من الدولار للاستيرادات، ما يستنزف إيرادات بيع النفط.

الأسواق العراقية اليوم تعكس المزاج العام للمجتمع في ظل حرب لا يعرف أحد متى تنتهي.

العراقيون يحاولون التكيف مع واقع إقليمي مضطرب وصلت تداعياته إليهم بعد استهداف مقار تابعة للحشد الشعبي في مناطق مختلفة.

ومع استمرار الحرب، يترقب التجار والمستهلكون ما قد تحمله الأيام المقبلة، وسط تساؤلات عن مدى قدرة الأسواق على الصمود في وجه أي تقلبات اقتصادية محتملة.

تصميم و تطوير