هذا النظام لم يأتِ إلى الحكم في فراغ، ولم يسقط من السماء فجأة... كتب المهندس مدحت الخطيب
أخبار دقيقة -
لم ولن أقف مع النظام الإيراني، لا سياسياً ولا عسكرياً ولا منهجياً، لأسباب كثيرة يعرفها كل من تابع مسار هذا النظام منذ قيامه... لكن المفارقة التي لا يمكن إنكارها أن القلب اليوم يفرح ـ وأقولها بصدق ـ وهو يرى الصواريخ تسقط على تل أبيب وبئر السبع ويافا وايلات ، وكأنها ردٌّ قدريٌّ من الله على ما ارتُكب من جرائم صمت عليها العالم المنافق بحق أهل غزة وشيوخها وأطفالها ونسائها...
إنها لحظة يشعر فيها كثيرون بأن بعضاً من الظلم الذي تراكم على هذه الأمة يجد طريقه للرد، ولو من خصم لا نتفق معه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تقودنا العاطفة إلى نسيان التاريخ القريب. فهذا النظام لم يأتِ إلى الحكم في فراغ، ولم يسقط من السماء فجأة. الجميع يعلم أن عودة روح الله الخميني إلى إيران تمت من باريس، وفي لحظة سياسية دولية معقدة، شهدت تداخلاً واضحاً بين مصالح القوى الكبرى والتحولات داخل إيران نفسها. ومنذ تلك اللحظة بدأ فصل طويل من التفاهمات المعلنة والضمنية، التي سمحت للنظام الجديد أن يثبت أقدامه ويتمدّد في المنطقة.
بعد ذلك بسنوات، رأينا كيف تحول هذا النظام إلى لاعب إقليمي مؤثر، مستفيداً من أحداث كبرى مثل غزو العراق عام 2003. فبعد سقوط بغداد، فُتحت أبواب العراق على مصراعيها أمام النفوذ الإيراني وميليشياته وبمباركة غربية ، وأصبح العراق ساحة نفوذ واضحة لطهران يفعل ما يشاء . وفي الوقت ذاته، استخدم هذا النفوذ كفزاعة في المنطقة؛ فمرة يُقدَّم كخطر طائفي يهدد الجميع، ومرة كحليف غير مباشر في إدارة التوازنات المعقدة
ولم يتوقف الأمر عند العراق، بل امتد النفوذ الإيراني إلى عواصم عربية عدة ، عبر تحالفات وتنظيمات مسلحة، حتى أصبح هذا النفوذ جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي وأصبح يحسب له ألف ألف حساب . وفي كثير من الأحيان، كان هذا التمدد يخدم ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ مصلحة المشروع الإسرائيلي في تفتيت المنطقة وإشغالها بصراعات داخلية لا تنتهي وما كذبة الربيع العربي عنا ببعيد.
-كلنا يعلم أن السياسة الدولية لا تعرف صداقات دائمة، بل مصالح متغيرة لأجل ذلك أقول حين انتهت الوظيفة التي كان يؤديها هذا الدور في ميزان القوى، بدأ الحديث يتغير، وبدأت الضغوط تتصاعد،. وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا لم تتحول القضية النووية الإيرانية إلى خطر عالمي إلا في السنوات الأخيرة، رغم أن برنامج البرنامج النووي الإيراني موجود منذ أكثر من ثلاثة عقود؟
الإجابة التي يراها كثير من المراقبين بسيطة في ظاهرها: لأن وجود هذا النظام، بكل تناقضاته، كان يخدم في مرحلة معينة توازنات القوى في المنطقة. أما اليوم، وبعد أن تغيرت المصالح والخرائط، فقد حان وقت تحييده وتقليم أظافره.
لكن المفارقة الكبرى أن من يُستخدم في لعبة الأمم قد يتحول في لحظة إلى خصم شرس يقلب الطاولة على الجميع . وخصوصاً حين يشعر بأنه أصبح الهدف التالي، فإنه يقاتل بكل ما يملك. وربما لهذا نشهد اليوم هذا التصعيد الكبير وإصرار الإيرانيين على القتال حتى النهاية، اليوم تحاول طهران أن ترد بكل ما تملك وبدون سقوف وأن تثبت أنها ليست ورقة يمكن التخلص منها بسهولة.
في الختام أقول وليت ابناء جلدتي يعلمون ان الحقيقة الأهم: في صراعات القوى الكبرى لا توجد براءة كاملة ولا عداوات مطلقة. هناك مصالح تتحرك، وأدوار تُمنح ثم تُسحب، وأنظمة تُستخدم ثم يُعاد ترتيب موقعها في المشهد، أما الشعوب فهي غالباً من يدفع الثمن..






