تريث الحوثيين: هل يعيدون حساباتهم في الحرب بعد مقتل خامنئي؟

{title}
أخبار دقيقة -

في تطور لافت، يثير تريث جماعة الحوثيين في اليمن عن الانضمام إلى الحرب الدائرة ضد إيران تساؤلات واسعة النطاق، وذلك رغم إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مفتوحة على إيران، والتي بدأت بتصفية المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادته العسكريين. الحرب التي دخلت أسبوعها الثاني، دفعت المراقبين للتساؤل عن أسباب عدم انخراط الحوثيين، الذراع الأقوى لإيران في المنطقة، في المعركة إلى جانب حزب الله اللبناني وفصائل عراقية أخرى.

بعد سنوات من الهجمات الحوثية الجوية والبحرية التي استهدفت إسرائيل والسفن في البحر الأحمر، اكتفى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بإدانة مقتل خامنئي والدعوة للتظاهر في صنعاء، ملوحا بأن جماعته مستعدة للتحرك وفقا للتطورات. هذا الموقف أثار تباينات في التفسيرات حول أسباب هذا التريث، خاصة وأن الجماعة تعتبر تقليديا "اليد الإيرانية" في جنوب الجزيرة العربية.

يرى محللون أن الصدمة التي تلقتها إيران بمقتل مرشدها، أدت إلى ارتباك في إدارة المعركة، وليس تكتيكا مدروسا. الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل أوضح أن عدم دخول الحوثيين الحرب يعود إلى ارتباك في إدارة المعركة من قبل النظام الإيراني، نتيجة الضربة المفاجئة التي استهدفت المرشد وقيادات كبرى، بالإضافة إلى القدرات العسكرية والعملياتية. وأضاف البيل أن النظام الإيراني بدا في حالة فوضى وردات فعل غير مدروسة، ما يشير إلى خلل في العصب العسكري والهيكلية العسكرية.

الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند، أشار إلى مشكلة تنظيمية قد تكون السبب الرئيسي في الصمت الحوثي، موضحا أن قنوات الاتصال التنسيقية الحوثية ربما فقدت الاتصال بطهران لتلقي التوجيهات العاجلة. ويتفق معه الباحث اليمني عدنان الجبرني، الذي بين أن انخراط الجماعة الحوثية تحكمه عدة عوامل تخضع للنقاش والتقييم المستمر ضمن غرفة عمليات المحور وقنوات الاتصال العسكرية.

المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني، تحدث عن معركة موازية تدور داخل أروقة الجماعة الحوثية، حيث يوجد تيار يدفع باتجاه الانخراط المباشر في المواجهة واستئناف العمليات بالبحر الأحمر. وأشار إلى تسريب خبر يفيد باستئناف الهجمات قبل أن يسارع جناح آخر داخل الجماعة إلى نفيه، ما يعكس حالة من التخبط والارتباك. ويعتقد البيضاني أن الحوثيين تلقوا نصائح إقليمية من وسطاء إقليميين بعدم التدخل في هذه المرحلة وانتظار نتائج المواجهة خلال الأيام المقبلة.

من جهته، يرى الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال صادق الوصابي أن الحوثيين يدركون أن توقيت الانخراط الكامل في هذه الحرب ليس في صالحهم، وقد يفتح عليهم أبوابا يصعب إغلاقها. وأوضح الوصابي أن الجماعة تعيش أصلا في ظل هشاشة اقتصادية كبيرة بمناطق سيطرتها، وتعاني من آثار الضربات التي تلقتها مؤخرا، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو البنية التحتية. وأضاف أن الدعم الإيراني العسكري والمالي واللوجيستي لم يعد بالحجم نفسه، في ظل الضغوط التي تواجهها طهران نتيجة الضربات والأزمات المتسارعة التي تمر بها.

توفيق الجند يربط الموقف الحوثي بحسابات وجودية، مشيرا إلى أن الرد الحوثي بدأ نظريا وكلاميا عبر خطابات زعيم الجماعة. لكنه يستدرك بالقول إن الموقف هذه المرة مختلف لعدة أسباب، منها أن الحوثي لا يريد الظهور مدافعا عن إيران، حتى لا يخسر سردية دفاعه عن غزة التي كانت أصلا دعما لطهران في إطار محور المقاومة. ولا يستبعد الجند أن الحوثيين قد يرون أنفسهم رأسمالا جوهريا يبنى عليه مستقبلا، ربما بوصفه حاضنة لمحور المقاومة إن تعرضت إيران والحرس الثوري لضربات لا تسمح باستئناف نشاط مبكر من إطارها الجغرافي، والتحول إلى ميليشيات إقليمية قد تكون جبال اليمن مقرا لها.

ويضيف الجند أن الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران كان قويا، والحوثيون خائفون على أنفسهم أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى ما حدث للمرشد الإيراني وكبار قادته، ومن قبله ما حدث لحسن نصر الله وكبار قادة حزبه، ناهيك بالضربات الموجعة التي تعرضت لها الجماعة نفسها. المحللون يرون أن الحوثيين يخضعون لتقييم يومي داخل غرفة عمليات المحور، وأن الجماعة جاهزة للتدخل منذ اليوم الأول، لكن تأخرها يعود إلى تقديرات إيرانية تتعلق بتطور الحرب وضرورة ضمان استدامة العمليات العسكرية، من دون استنفاد جميع أوراق الضغط دفعة واحدة.

الباحث والاستشاري في شؤون الأمن الإقليمي والدفاع والحرب والسلام إبراهيم جلال، يرى أن السياق الاستراتيجي للحرب يجعل انخراط الحوثيين في صف إيران احتمالا قائما بقوة. وقال جلال إن إيران أنشأت ما يعرف بمحور المقاومة لهذه اللحظة التاريخية بالذات، لحمايتها حين تتهاوى عقيدة الدفاع المتقدم ويتفكك طوق الميليشيات الممتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر. وأضاف أن الحوثيين ليسوا حالة خاصة خارج هذا المسار، مرجحا أن ينضموا إلى المواجهة بعد انخراط حزب الله اللبناني وبعض الميليشيات العراقية.

فارس البيل يرجح أن دخول الحوثيين في الحرب سيعتمد على ما تبقى من قدرة لدى النظام الإيراني في إدارة المعركة في الأيام المقبلة، مشددا على أن الحوثي سيدفع به إلى ممارسة أي عمل عسكري، باعتباره استثمارا طويلا ومكلفا لدى النظام الإيراني، ولن يوفره في لحظات نزعه الأخير. ويرى صادق الوصابي أن الحوثيين قد يلجأون إلى تحركات محدودة لإظهار استمرارهم ضمن المحور، مثل تنفيذ هجمات في البحر الأحمر أو إطلاق مسيرات باتجاه إسرائيل، محذرا من أن أي تورط قد يغير حسابات الأطراف الأخرى.

المراقبون للشأنين اليمني والإقليمي يرجحون أنه في حال قرر الحوثيون استئناف هجماتهم البحرية أو شن صواريخ باتجاه إسرائيل، فإن الرد الأميركي والإسرائيلي سيكون أكثر عنفا هذه المرة، وبخاصة أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرب وجود مع إيران نفسها، فضلا عن تعقيدات الداخل اليمني نفسه والمحيط الإقليمي وردود الفعل المتوقعة.

تصميم و تطوير