المائدة العراقية: المضيرة والبوران واللوزينج.. أصول من العصر العباسي
تعتبر المائدة العراقية انعكاسا حيا لتاريخ البلاد وثقافتها الغنية، حيث تتجلى فيها تأثيرات الحضارات المتعاقبة، وخاصة الحضارة العباسية التي ازدهرت في بغداد خلال القرن الثاني الهجري. في تلك الفترة، كانت بغداد ملتقى طرق التجارة ومزيجا للثقافات، مما أثرى فنون الطهي وأساليب تقديم الطعام، لتصبح المأكولات جزءا لا يتجزأ من المشهد الحضاري، ومادة خصبة للكتب المتخصصة في الطعام والأدب والتاريخ.
كشفت الدراسات التاريخية أن المائدة العراقية في العصر العباسي كانت تعكس مظاهر الترف والابتكار، وتوثق تفاصيل الحياة اليومية، حيث اختلطت الوصفات بالحكايات والقصص التي تروي أصول الأطباق ومناسبات ظهورها. ومن بين هذه الأطباق، تبرز المضيرة والبوران واللوزينج كأمثلة حية على الأصول العباسية للمائدة العراقية.
المضيرة: طبق يعكس الترف والانتقاد الاجتماعي
تعتبر "المقامة المضيرية" لبديع الزمان الهمذاني من أبرز النصوص الأدبية التي تناولت طبق المضيرة، حيث استلهم الهمذاني هذا الطبق ليبني حوله حكاية ساخرة عن الترف والمبالغة في استعراض النعمة. أوضح الهمذاني أن المضيرة طبق قديم تعود جذوره إلى المطبخين العراقي والفارسي، ويحضر أساسا من اللحم السمين المطبوخ في اللبن، ويقدم في الولائم الكبرى.
تدور أحداث المقامة حول دعوة وجهت إلى عيسى بن هشام وأبي الفتح الإسكندري لحضور مأدبة في البصرة قدمت فيها المضيرة. بينت المقامة أن الإسكندري يثير دهشة الحاضرين برفضه تناول الطبق، ويعلن كراهيته له على نحو مبالغ فيه، ما يدفع المضيف إلى رفعه عن المائدة وسط ذهول المدعوين. وتنقل المقامة مشاعر الحضور لحظة رفع الطبق، في تصوير يعكس قيمته الرمزية والغذائية، قبل أن يطالبوا الإسكندري بتفسير موقفه.
أضافت المقامة أن الإسكندري يسرد قصته مع هذا الطبق، مؤكدا أن نفوره منه لا يعود إلى مذاقه، بل إلى تجربة سابقة ارتبطت به، حيث تلقى دعوة من تاجر في بغداد لتناول المضيرة في منزله، إلا أن الوصول إلى المائدة تحول إلى معاناة طويلة بسبب حديث المضيف المتواصل عن مهارة زوجته في الطهي ومنزله وأثاثه، ما دفع الإسكندري إلى مغادرة المكان قبل أن يتذوق الطبق.
أشارت المقامة إلى أن التاجر لاحق ضيفه وهو يناديه بلقب "أبو الفتح المضيرة"، فالتقط صبية الحي النداء ورددوه ساخرين، ما أدى إلى اشتباك الإسكندري معهم، وتقوده الحادثة إلى الضرب والتوقيف والسجن. ومنذ ذلك اليوم، نذر ألا يتناول المضيرة مجددا.
وبينت المقامة أن السخرية اللاذعة تختتم المقامة بمشاركة رفاق الإسكندري نذره، في عبارة تلخص مغزى الحكاية: كيف يمكن لطعام فاخر أن يتحول، بسبب السلوك الاجتماعي المحيط به، إلى سبب للأذى والنفور.
البوران: من طبق ملكي إلى متبل شعبي
أفادت المصادر التاريخية بأن الباذنجان دخل إلى المنطقة قادما من الهند عبر فارس، وانتشر في جنوب آسيا ووسطها وشرقها، قبل أن يصل إلى العالم الغربي على نطاق أوسع بعد عام 1500م. وعرفت العرب هذه الثمرة بعدة تسميات اشتقت من أصلها الفارسي، مثل الأنب والمغد والوغد، إلى أن استقر الاسم لاحقا على "الباذنجان".
أظهرت الوثائق التاريخية أن الباذنجان قوبل بكثير من الشك والريبة في بدايات انتشاره، إذ صنفه بعض الأطباء القدماء ضمن الأغذية الثقيلة، ونسبوا إليه أضرارا صحية متعددة، وفقا لنظرية الأخلاط السائدة آنذاك. غير أن صورة الباذنجان الغذائية لم تلبث أن تغيرت، خصوصا في البلاط العباسي، حيث حظي بعناية خاصة ودخل في أطباق متعددة.
ذكرت الروايات أن هذا التحول يعود إلى بوران بنت الحسن بن سهل، زوجة الخليفة العباسي المأمون، التي اشتهرت بمهارتها في الطهي، ونسب إليها طبق "بوران الباذنجان". وقد أورد ابن سيار الوراق في كتابه الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات عددا من وصفات الباذنجان، من بينها طبق عرف باسم "باذنجان بوران"، مرجحا نسبته إليها.
أوضح الباحثون أن بعضهم يطرح أصلا فارسيا للتسمية، ويربطون اسم "البوران" بالملكة الساسانية بوراندخت، ابنة كسرى الثاني، التي حكمت بلاد فارس في القرن السابع الميلادي. ووفقا لهذه الرواية، أطلقت تسمية "بوراني" على أطباق تعتمد على اللبن والخضراوات، قبل أن يدخل الباذنجان لاحقا ضمن مكوناتها، ويتحول الاسم مع الزمن إلى "بوران".
اللوزينج: حلوى تزين الموائد وتثير الخلافات
تعتبر حلوى اللوزينج من الحلويات التراثية التي تشبه القطائف، وقد كانت سببا في خلاف أدبي بين شعراء العصر العباسي حول أيهما أطيب مذاقا وأرفع مكانة. بينت المصادر الأدبية أن اللوزينج حظي بإشادة لافتة في الشعر، أبرزها ما قاله أبو طالب المأموني وابن الرومي، الذي بالغ في وصف نعومته وكثافة حشوه، حتى جعله نموذجا للحلوى المتقنة.
أفادت المصادر التاريخية بأن وصفة اللوزينج تعود إلى العصر العباسي، وقد وثقها محمد بن الحسن البغدادي في كتابه الطبيخ. وتعتمد الوصفة على خليط من اللوز المطحون والسكر المعجون بماء الورد، يحشى في خبز رقيق، ثم يقطع ويغمر بالدهن، ويسقى بشراب سكري معطر، ويزين بالفستق.
أشار ابن سيار الوراق، في كتابه الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات، إلى الفروق بين اللوزينج والقطائف، مخصصا فصلا لأنواع القطائف المصنوعة من عجين مختمر ومحشوة بالمكسرات، كما أورد ثلاث صيغ مختلفة لتحضير اللوزينج، منها نسخة نسبت إلى الخليفة المعتصم بالله، وأخرى فاخرة أعدت للملوك في الأسفار، وثالثة تطهى على النار وتعرف بـ"اللوزينج اليابس".
وختاما، تظل المضيرة والبوران واللوزينج شواهد حية على ثراء المائدة العباسية، وعلى مكانة الطعام بوصفه جزءا من الذاكرة الثقافية والحضارية للعراق، حيث تتوارث الأجيال وصفات هذه الأطباق وتحافظ عليها، مع إدخال بعض التعديلات التي تتناسب مع العصر، لتبقى هذه الأطباق جزءا لا يتجزأ من المائدة العراقية.






