نقدٌ مباشر لأداء لجنة بلدية إربد الكبرى ونهج وزارة الإدارة المحلية
عدنان نصّار
ليس من باب المبالغة القول إن إربد تعيش اليوم حالة إدارةٍ بلا بوصلة واضحة، ما يُعرض على الناس بوصفه «إنجازات» لا يتجاوز – في جوهره – حدود التجميل السريع: إنارة هنا، طلاء هناك، حملات مؤقتة تُلتقط لها الصور ثم تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية. أما الأسئلة الكبرى – التخطيط الحضري، أولويات الإنفاق، العدالة بين المركز والأطراف، استدامة الخدمات – فتبقى خارج المشهد.
لجنة بلدية إربد الكبرى، التي جاءت بقرار تعيين لا بانتخاب، كان يُفترض أن تعوّض غياب التفويض الشعبي بكفاءةٍ مضاعفة، وبخطةٍ منشورة تُقنع الناس قبل أن تُرضي المرجعيات.
لكن ما يظهر على الأرض أقرب إلى إدارة يومية مرتبكة: قرارات متفرقة، غياب لمؤشرات أداء مُعلنة، وتواصلٌ ضعيف لا يرقى إلى مستوى مدينة تُعدّ ثاني أكبر الحواضر في المملكة.
إربد القديمة تُترك بين الإهمال والتردد، لا حماية حقيقية لهويتها البصرية، ولا مشروع حداثوي متكامل ينهض بها، النتيجة: وسطٌ يتآكل ببطء، واستثماراتٌ عشوائية، وفوضى بصرية تُفقد المكان روحه.. أما القرى والأرياف التابعة، فتعاني من تفاوتٍ صارخ في الخدمات، وكأنها ملحقٌ إداري لا جزءٌ أصيل من المدينة الكبرى.
وزارة تُدير الصورة… لا الواقع
المسؤولية لا تقع على اللجنة وحدها. فـوزارة الإدارة المحلية هي صاحبة القرار في تشكيل اللجان، وهي التي تبنّت خطابًا يُسوّق «الإنجاز السريع» كبديلٍ عن العمل المؤسسي العميق..وربما هي من تدير بلدية إربد نحدبدا من مركز الوزارة..
المشكلة أن الوزارة، حين دفعت باتجاه حلّ مجالس منتخبة، رفعت سقف التوقعات، وعدت – ضمنيًا – بإدارة أكثر انضباطًا، أكثر احترافًا، وأكثر قدرة على الحسم.
لكن الواقع لم يُظهر قفزة نوعية، لم نرَ تحولًا جذريًا في آليات التخطيط، ولا شفافيةً غير مسبوقة في الموازنات، ولا مساءلةً علنية تُقنع الرأي العام بأن التعيين كان خطوة إصلاحية لا مجرد إجراء إداري.
بل على العكس، بدا المشهد أقرب إلى مركزيةٍ مُشدّدة تُدير البلديات بعقلٍ بيروقراطي، وتتعامل مع المدن كملفات تنفيذ لا ككيانات حيّة لها خصوصيتها.
حين تستبدل الوزارة مجلسًا منتخبًا بلجنةٍ مُعيّنة، فإنها تتحمّل مسؤولية مضاعفة. لأن التعيين يسحب من الطاولة عنصر الشرعية الانتخابية، ولا يُبقي إلا عنصر الكفاءة.
فإذا لم تكن الكفاءة واضحة وقابلة للقياس، فإن القرار برمّته يصبح موضع سؤال مشروع.
-أين الخطة؟ أين الأرقام؟
العمل البلدي ليس بياناتٍ إنشائية، بل أرقامًا تُنشر، وجداول زمنية تُحترم، وموازنات تُناقَش علنًا.
أين الخطة الخمسية المعلنة؟
أين مؤشرات قياس الأداء؟
أين تقارير التقييم الدورية التي يعرف المواطن من خلالها ماذا أُنجز وماذا تعثر ولماذا؟
غياب هذه العناصر لا يعني فقط ضعفًا إداريًا، بل يعني تآكل الثقة، والثقة، في الإدارة المحلية، رأس المال الأهم.
إربد ليست ساحةً لتجريب النظريات الإدارية، ولا مساحةً لإثبات وجهة نظر سياسية ، تعكس رغبات شخصية ..
هي مدينة لها ثقلها التاريخي والديمغرافي والاقتصادي. وأي إدارة – لجنة كانت أو مجلسًا – لا ترتقي إلى هذا الثقل، فإنها لا تسيء إلى خصومها، بل إلى المدينة ذاتها.
النقد هنا ليس خصومة، بل دفاع عن فكرة أن الإدارة المحلية يجب أن تكون الأقرب إلى الناس، والأكثر شفافية، والأشد خضوعًا للمساءلة.
أما الاكتفاء بإدارة الصورة، فسيُنتج مدينةً جميلة في الكاميرا… ومرهَقة في الواقع.
إربد تستحق أكثر من ذلك. تستحق إدارةً تعرف أن الشرعية تُبنى بالنتائج، لا بالقرارات..ولا بكثرة الصور الفوتغرافية.






