كيف يعزز صيام رمضان الهدوء النفسي والاسترخاء
غالبا ما توصف الساعات والايام الاولى من صيام رمضان بانها مليئة بما يشبه اعراض الانسحاب. حالة مؤلمة نسبيا سرعان ما تتحول لاحساس بالاعتياد والراحة والهدوء.
الصائم لا يمتنع عن الماء والطعام فقط. بل يتغير نظام يومه كليا وتقل المحفزات والاستهلاك المعتاد لوسائل التواصل والمحتوى الترفيهي. وذلك لصالح العبادة والممارسات الدينية المختلفة.
كل هذه التغيرات تجعل وتيرة اليوم تهدأ وتتباطأ. ويساهم الامتناع عن الطعام في ساعات محددة من اليوم في تعزيز وصول الجسم لحالة فريدة من الاسترخاء والهدوء. والتي كثيرا ما يصفها البعض وكان لها مفعول "المهدئات". فما الذي يحدث بالضبط؟
تاجيل الاشباع وتخفيف الاستجابة للمحفزات.
يوضح تقرير منشور على موقع "سايكولوجي توداي" المتخصص في علم النفس والصحة العقلية الفوائد العاطفية والنفسية غير المتوقعة للصيام المتقطع. الذي يطابق الى حد بعيد صوم رمضان عند المسلمين. مشيرا الى ان الامتناع المنظم عن الطعام يمكن ان يعزز الشعور بالتحكم الذاتي والانضباط. وهما عنصران يرتبطان مباشرة بتحسن المزاج والشعور بالقدرة والقوة الداخلية والرضا.
فحين يؤجل الفرد اشباع رغبة اساسية وملحة كالاكل. يتدرب في الوقت نفسه على مقاومة انماط الاستجابة التلقائية التي تحكم تفاصيل يومه وتتحكم في مزاجه وقراراته.
هذا التاجيل لا ينتج هدوءا فوريا على الدوام. لكنه يمنح الدماغ فرصة لاعادة تنظيم اولوياته واستجاباته. بعيدا عن الدافع اللحظي والانهماك غير الواعي في الاستجابة للمحفزات.
الصيام يخفف من اضطرابات المزاج.
يصف بعض المشاركين في دراسات سلوكية شعورا بالصفاء الذهني وتراجع التشتت بعد تجاوز الساعات الاولى من الصيام. وهي مرحلة غالبا ما يصاحبها تذبذب في الطاقة قبل ان تستقر وتتحول لحالة من الاسترخاء والهدوء.
في دراسة بعنوان "الصيام واضطرابات المزاج" نشرتها دورية "سايكايتري ريسيرش" العلمية عام 2012. واعدتها مجموعة باحثين في علم النفس والتغذية العصبية. ركزت على التغير في مستوى النواقل العصبية (مثل السيروتونين) وجودة النوم وشعور الرفاه النفسي لدى المشاركين. ثبت ان الصيام غالبا ما يرافقه تحسن في المزاج والشعور باليقظة والصفاء الداخلي.
كما لوحظ انخفاض في اعراض الاكتئاب والتوتر وانخفاض في استجابات القلق بين اليوم الثاني واليوم السابع للصيام. هذه التاثيرات البيولوجية والنفسية للصيام يمكن ان تفسر بتحسن نسبي في المزاج واليقظة عند بعض الاشخاص. وذلك طبعا منوط بنظام غذائي متوازن وخفيف في ساعات تناول الطعام. والحصول على النوم الكافي والحركة البدنية الكافية خلال اليوم.
دراسات تدعم الفوائد النفسية للصيام.
الدراسات العلمية الحديثة لم تعد تقتصر على البحث في اثار الصيام الايضية بالجسم ايضا. بل امتدت الى دراسة تاثيره المباشر في الدماغ والمزاج. وكيف يمكنه ان يحقق نتائج تضاهي تلك الناجمة عن تناول المهدئات في الاحساس بالاسترخاء والمزيد من التركيز والوضوح في الافكار.
ومن ابرز تلك الدراسات تجربة سريرية اجريت عام 2024 بقيادة باحثين من جامعة جونز هوبكنز والمعهد الوطني للشيخوخة في الولايات المتحدة ونشرت بمجلة "ساينس دايركت" العلمية.
البحث الذي تم على مجموعة ممن يعانون من مقاومة الانسولين وقسموا الى مجموعتين الاولى اتبعت نظام الصيام المتقطع والثانية التزمت بنظام غذائي صحي منتظم دون صيام.
الصيام كتمرين على اعادة ضبط الايقاع.
اتضح بعد اسابيع ان كلا النظامين حسنا الاداء الادراكي. غير ان مجموعة الصيام المتقطع سجلت تحسنا اكبر في بعض مؤشرات الذاكرة والمرونة المعرفية. دون تراجع في الاداء الذهني. وهو ما يدعم فكرة ان الامتناع المنظم عن الطعام لا يضعف التركيز كما قد يشاع. بل يعززه في ظروف معينة.
وفي دراسة نشرت عام 2021 بمجلة "برين ساينسز" اجريت تجربة على فئران مصابة باضطرابات ايضية خضعت لنظام صيام متقطع لمدة 16 ساعة يوميا على مدى 12 اسبوعا.
قاس الباحثون مستويات السيروتونين والدوبامين اضافة الى اختبارات سلوكية لقياس القلق والاكتئاب. واظهرت النتائج ارتفاعا في مؤشرات النمو العصبي وتحسنا في السلوكيات المرتبطة بالتوتر الى جانب تحسن في حساسية الانسولين.
تجربة اجتماعية تدعم الاحساس بالرفاه.
هذه النتائج تشير الى ان الصيام حين يمارس بشكل منظم ومدروس مثلما يحدث خلال رمضان قد يمنح الدماغ فرصة لاعادة ضبط بعض ايقاعاته الحيوية. بما ينعكس لدى البعض في صورة صفاء ذهني او تحسن نسبي في المزاج.
لا يقتصر الاثر على الكيمياء العصبية للدماغ فحسب. اذ يوضح تقرير على موقع "فاينس تشيرو" للصحة العامة انه يمكن للصيام ان يعيد تشكيل العلاقة مع الرغبات والعادات اليومية. فالامتناع الموقت يخلق مسافة بين الدافع والفعل. وهي المسافة نفسها التي تقوم عليها ممارسات مثل التامل واليقظة الذهنية والعبادات.
في هذه المساحة يتراجع الاستهلاك المتواصل الذي يميز الحياة اليومية في عالمنا الحديث. سواء كان استهلاكا غذائيا او رقميا او عاطفيا. ويشبه بعض المختصين الصيام بـ "اعادة ضبط" للايقاع الداخلي. حيث ينخفض التحفيز الحسي ويهدأ سيل القرارات الصغيرة التي تستنزف الانتباه والطاقة طوال اليوم.
هذا الانخفاض في المحفزات قد يفسر شعور البعض براحة نفسية وهدوء خلال الصيام. لا لانه يزيل مصادر القلق جذريا. بل لانه يعلق او يؤجل جزءا من مسبباته اليومية. ويمنح الجهاز النفسي والعصبي فسحة خالية من التشتت والضجيج.
وبالرغم من ان الصيام وتاثيراته المهدئة قد تختلف من شخص لاخر. خصوصا وان البعض ايضا قد يعانون من العصبية وضعف التركيز بسبب تاثيرات معينة للصيام على الجسم ومعدلات الطاقة والمزاج. الا انه من خلال الحرص على نيل قسط كاف من النوم يوميا. والاعتدال في تناول الكربوهيدرات. والتركيز على السوائل والفيتامينات والبروتين. بالاضافة الى ممارسة المشي لمدة نصف ساعة يوميا. يمكن تعزيز الاستفادة من تجربة الصيام الفريدة في تعزيز الاحساس بالراحة والهدوء.
تظل تجربة صيام رمضان وما فيها من مشاركة جماعية هي تجربة فريدة وهامة في تحقيق التوازن النفسي والشعور بالرضا. لان التزام مجموعة كبيرة من الناس بايقاع يومي مختلف يخلق مناخا اجتماعيا اهدأ. تتباطأ فيه الوتيرة العامة. وتعاد فيه صياغة العلاقة مع الوقت والطعام والعمل. هذا البعد الجمعي يعزز الاحساس بالمشاركة والمعنى. وهما عنصران يرتبطان بدورهما بتحسن الرفاه النفسي والشعور العام بالرضا.






