أخبار دقيقة -
عدنان نصّار
في الأردن، كما في كثير من البلدان، يتقاطع الواقع الاجتماعي مع السياسة بطريقة معقدة يصعب فك تشابكها. من يتسيدون المشهد السياسي والاجتماعي، ويملكون منصات القرار، يظهرون بمظهر القوة والقدرة على إدارة الأزمات، لكن السؤال الأهم يبقى: هل هم فعلاً مرآة لمجتمعهم؟ أم أن سلطتهم تقاس بالظهور الإعلامي والخطابات الرسمية فقط؟
a– نبض المواطن… بين الصمت والضغط اليومعلى الأرصفة، في الأسواق الشعبية، وبين الحارات والمدارس والمستشفيات، يعيش المواطن تفاصيل حياته اليومية التي تكاد تصبح امتحانًا دائمًا للصبر والكرامة. الأسعار ترتفع بلا توقف، الرواتب ثابتة بالكاد تكفي، والمواطن يجد نفسه مضطرًا لحساب كل شيء: من رغيف خبز إلى فاتورة الكهرباء، ومن أجرة المواصلات إلى قطعة حلوى لطفله.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو هامشية للوهلة الأولى، هي نبض المجتمع الحقيقي. صمت المواطن هنا ليس علامة رضا، بل صرخة مكتومة تحتاج من يُصغي لها بعقل بارد وإرادة حازمة.
الفجوة بين الخطاب والواقع
في أروقة القرار، تبدو الصورة مختلفة. جداول وبرامج، مشاريع وخطط مستقبلية، تصريحات رسمية تبعث الطمأنينة أحيانًا، وتزرع القلق أحيانًا أخرى. غالبًا ما تنحصر الحوارات الرسمية في الأرقام الكبرى والمشاريع الضخمة، بينما التفاصيل اليومية للناس تظل خارج المشهد، كما لو أن حياة المواطن مجرد هامش يمكن تجاوزه.
من يتسيدون المشهد الاجتماعي والسياسي غالبًا ما يظهرون القوة والسيطرة، لكنهم أحيانًا يبتعدون عن جوهر حياة الناس اليومية.. هذه الفجوة ليست مجرد خلل إداري، بل مؤشر على تمثيل ناقص قد يهدد الاستقرار الاجتماعي الذي طالما شكّل عنصر قوة للأردن.
– التمثيل الحقيقي… أكثر من منصب أو سلطة
التمثيل الحقيقي يحتاج إلى أكثر من منصب أو موقع. يحتاج إلى القدرة على قراءة الصمت المخيف، وفهم التفاصيل التي تتحول إلى عبء وجودي. نبض الناس ليس في الكلمات الكبيرة، بل في أشياء يومية بسيطة: رغيف يكفي الأسرة، فاتورة كهرباء يمكن دفعها دون قلق، راتب يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، وأمل يمكن العيش به.
بينما تُعقد اللقاءات والاجتماعات الرسمية، يظل المواطن يحسب كلفة الحياة، ويشعر بأن الفجوة تتسع بينه وبين صانعي القرار. هنا يظهر التحدي الأكبر: كيف يصبح المسؤول مرآة لمجتمعه وليس مجرد ظل تتحركه السياسة والمصالح؟
إعادة التوازن بين السلطة والشعب
التحدي الحقيقي اليوم هو إعادة التوازن بين السلطة والشعب، بين الخطاب والواقع، بين ما يُعلن وما يُعاش. يجب إعطاء الأصوات الصغيرة الحقيقية مكانها في صنع القرار، حتى يصبح التمثيل السياسي والاجتماعي أكثر قربًا من نبض الناس، وأكثر قدرة على منع التحولات السلبية الناتجة عن تجاهل التفاصيل اليومية.
في النهاية، التمثيل الحقيقي ليس شعارًا، ولا عدد مقاعد في مجلس، ولا تصفية حسابات سياسية، بل القدرة على إدراك أن القوة الحقيقية تكمن في فهم نبض الناس ومواكبة حياتهم اليومية. التفاصيل الصغيرة، إن تم تجاهلها، قد تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها، وصمت المواطن المخيف قد يتحوّل إلى كلام أكثر حدة ، وأوسع تعبيرا ..كلام لا يشبه أحدًا.
كاتب وصحفي أردني