#عاجل..حين يُقصى الأردن عن المشهد الإعلامي العربي .. تساؤلات مشروعة حول معايير “التأثير”

{title}
أخبار دقيقة -
كتب ـ فايز الشاقلدي 

أثار صدور قائمة الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام التي صنّفت "50 إعلامياً عربياً مؤثراً لعام 2025” موجة من الاستغراب، ليس فقط في الأوساط الإعلامية الأردنية، بل لدى كل من يعرف تاريخ الإعلام العربي الحديث. فقد خلت القائمة بالكامل من أي اسم أردني، في تجاهل يصعب تفسيره بمعايير مهنية بحتة، ويستدعي طرح أسئلة جادة حول مفهوم "التأثير” وآليات قياسه، ومن يملك حق تعريفه.

الأردن، الذي لطالما شكّل خزاناً بشرياً للإعلام العربي، لم يكن يوماً هامشياً في هذا المشهد. فمنذ انطلاقة الفضائيات العربية الكبرى، كانت الكفاءات الأردنية حاضرة في غرف الأخبار، وفي مواقع الإدارة والتحرير والتقديم، وأسهمت بشكل مباشر في بناء الخطاب الإعلامي، وصياغة المهنية، وتأسيس مدارس عمل ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. فهل يُعقل أن يغيب هذا الإرث دفعة واحدة؟ أم أن المشكلة ليست في الكفاءة، بل في زاوية النظر؟

إن تغييب الإعلاميين الأردنيين يفتح الباب أمام فرضية مقلقة: أن "التأثير” لم يعد يُقاس بالمهنية، ولا بالخبرة، ولا بحجم الإسهام الحقيقي في صناعة الإعلام، بل بات مرتهناً لمعادلات النفوذ السياسي، والانتشار الممول، والانسجام مع السرديات السائدة. وفي هذه الحالة، تصبح القوائم أداة إقصاء ناعمة، لا مرآة تعكس الواقع.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه القوائم، حين تصدر عن جهات تحمل صفة "دولية”، تكتسب شرعية رمزية، وتؤثر في الرأي العام، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي حول من يُسمح له بالظهور ومن يُدفع إلى الظل. وهنا لا يعود الأمر مجرد سهو أو خطأ تقني، بل يتحول إلى فعل سياسي بامتياز، حتى وإن غُلّف بلغة مهنية محايدة.

ليس المطلوب محاباة الأردن، ولا إدراج أسماء لمجرد التوازن الجغرافي، بل المطلوب شفافية حقيقية: ما هي المعايير؟ من وضعها؟ كيف قِيس التأثير؟ وهل شمل التقييم الإعلاميين العاملين خلف الكاميرا، أم اقتصر على نجومية الشاشة ومنصات التواصل؟ ثم، هل أُخذ بعين الاعتبار الدور البنيوي الذي لعبه الإعلامي الأردني في تأسيس مؤسسات لم تُنسب نجاحاتها لاحقاً إلى صُنّاعها الحقيقيين؟

إن تجاهل الإعلام الأردني لا يسيء إلى الأردن وحده، بل يسيء إلى مصداقية أي تصنيف يدّعي الشمول والعدالة. فالإعلام العربي لا يُختزل في عواصم بعينها، ولا يُقاس فقط بعدد المتابعين، بل يُبنى بالتراكم، وبالخبرة، وبالالتزام المهني، وهي عناصر كان الأردنيون في صلبها لعقود.

أمام هذا المشهد، يصبح من حق الإعلاميين الأردنيين، بل من واجبهم، أن يطرحوا الأسئلة، وأن يطالبوا بتصنيفات أكثر نزاهة، وأقل خضوعاً للسياسة والمال. فالتاريخ المهني لا يُمحى بقائمة، والتأثير الحقيقي لا تصنعه الجوائز، بل تصنعه المصداقية، وهذه ما زال الأردن يملك منها الكثير
تصميم و تطوير