صورة أخيرة… وضوء لا يرحل

{title}
أخبار دقيقة -

الدكتور نضال المجالي

قبل دقائق وانا على طاولة مكتبي بإطلالة زجاجية كاملة، لم يكن الضوء يتسلّل بخجل بين نوافذ المدينة بعد امطار خير كثيرة فحسب، بل كان ينبعث من شاشة هاتف صغيرة توقّفت عند صورة التُقطت في يوم رحيله.

صورة لمعالي مروان دودين بدت ساكنة، لكنها أيقظت في داخلي حركة لا تهدأ. لم تكن صورة وداع، بل مفتاح ذاكرة. وبعد أيام كثيرة على غيابه، جلستُ في اكثر من مرة مع أسرتي في بيته، بين أحبّائه، زوجة وابناء واحفاد حيث كان المكان يعجّ بالحضور أكثر مما يعبّر عن الفقد. صوره على الجدران، صوته في الحكايات، وذاكرة تملأ المكان ولن تغيب.

هناك، بدأ السؤال القديم يعود: كيف يمكن لرجلٍ أن يرحل، ويبقى بهذا الوضوح؟ لم يبدأ مروان دودين من ضوء مفاجئ، بل من مسيرة تشبه الفجر؛ هادئة، ثابتة، وتعرف وجهتها. كان قريبا من الناس، يفهم نبضهم، ويؤمن أن المسؤولية ليست منصبا بل أمانة، وأن الزمن لا يرحم من يتجاهل متطلباته.

 

في كل مرحلة من حياته، كان يختار أن يكون صادقا مع وقته دون أن يتنازل عن جذوره. حين اشتدت التحديات، لم يكن حضوره صاخبا، بل حاسما. تعلّم أن القيادة ليست في رفع الصوت، بل في الإصغاء، وفي اتخاذ القرار عندما يتردّد الآخرون. لذلك، تحوّل اسمه إلى علامة ثقة، تُستدعى في اللحظات الصعبة قبل السهلة.

ما ميّز مروان دودين لم يكن فقط ما أنجزه، بل الطريقة التي سار بها. كان يؤمن أن الرموز الحقيقية لا تُصنع من لحظة عابرة، بل من استمرارية واعية، ومن ضوء لا يؤذي العيون بل يرشدها. ظلّ قريبا، متواضعا، مدركا أن الرمز الذي لا يتغيّر مع الزمن يفقد قدرته على التأثير.

واليوم، حين عادت تلك الصورة لذاكرة هاتفي، أفهم أن بعض الرجال لا تنتهي حكايتهم عند الرحيل. معالي مروان دودين كان، ويستمر بالضوء؛ رمزا عرف ما يتطلبه وقته، فبقي حاضرا، لا كذكرى بعيدة، بل كقيمة تتجدّد كلما احتجنا إلى المعنى. رحمك الله يا ابا صخر.

تصميم و تطوير