الأستاذ الدكتور صلحي فيصل الشحاتيت يكتب : عيد الاستقلال الـ79: ثبات الإرادة وصون الكرامة

يطلّ علينا عيد الاستقلال التاسع والسبعون هذا العام في لحظة تاريخية دقيقة، تتكاثف فيها الأزمات، وتتداخل فيها التحديات على الصعد الإقليمية والدولية، بصورة لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ عقود. ومع ذلك، يبقى الأردن ثابتًا على جمر العدل والحق، ممسكًا بعروة استقلاله الوثقى، لا يساوم على مواقفه، ولا ينكفئ عن واجباته القومية والإنسانية.
الاستقلال في جوهره ليس مناسبة احتفالية عابرة، بل هو شهادة ميلاد متجددة للأردن، تتجسد في كل فعل وطني نقي، وفي كل موقف شجاع، وفي كل إنجاز يُكتب على الأرض أو في الوجدان. تسعة وسبعون عامًا من السيادة المنجزة، ومن بناء دولة راسخة في مؤسساتها، معتدلة في خطابها، وفيّة لرسالتها، وملتزمة بقضايا أمتها.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور الريادي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي يقود بحكمة وصلابة سفينة الوطن وسط أمواج عاتية من التحولات والصراعات. لقد صان جلالته منجزات الاستقلال بأبعاده كافة: السياسية منها والاقتصادية، الأمنية منها والاجتماعية، مكرسًا نموذجًا قياديًا يجمع بين الحزم والاعتدال، بين ثبات المبادئ ومرونة الرؤية.
إن موقف الأردن من قضايا الإقليم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لم يكن يومًا رهينة لضغوط، ولا خاضعًا لمزايدات. ومواقف جلالة الملك في المحافل الدولية، دفاعًا عن القدس والمقدسات، وصونًا للهوية العربية والإسلامية للمدينة، تشكل امتدادًا طبيعيًا لإرث الهاشميين ودورهم التاريخي.
ومع اشتداد الأزمات، وتفاقم التحديات على حدود الوطن وفي جواره، بات من الضروري التأكيد على أن جبهتنا الداخلية، بما تحمله من وحدة وطنية ووعي جمعي، لا تقل أهمية عن تحصين حدودنا العسكرية. فالوطن القوي لا تُقاس مناعته بعدد جنوده فقط، بل بصلابة نسيجه الاجتماعي، وعدالة مؤسساته، وتماسك مجتمعه.
وإذا كان الأردن قد صمد في وجه رياح التغيرات الكبرى، فلأنه اعتمد دائمًا على ركيزتين: قيادة شرعية تستمد قوتها من التاريخ والموقف، وشعب وفيّ، عصيّ على الكسر، صابر على الشدائد، طامح إلى غد أفضل.
وفي ظل ما يشهده العالم من اصطفافات وتحولات، تبقى معركة الحفاظ على الاستقلال، بمعناه الشامل، معركة يومية تتطلب وعيًا، وتشاركًا، وإيمانًا راسخًا بأن الأردن لم يولد ليكون تابعًا، بل ليبقى حرًا في قراره، مستقلًا في إرادته، وملتزمًا برسالته الإنسانية والأخلاقية.
في عيد الاستقلال التاسع والسبعين، نجدد العهد والولاء، ونرفع الهامة فخرًا بوطن يكتب تاريخه بشرف، ويشق طريقه بثقة، ويصون كرامته في زمن تهدر فيه الكرامات.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الاستقلال، وأبقى رايته عالية خفّاقة، في وجه كل ريح عاتية.
الأستاذ الدكتور صلحي فيصل الشحاتيت
أستاذ الكيمياء في جامعة مؤتة، ورئيس سابق لجامعة العقبة للتكنولوجيا