غزة تعيش مأساة النكبة في ظل العدوان المستمر
تعيش أم علي السباعي في خيمة مهترئة غرب مدينة غزة، حيث تحاول توفير شعور بالأمان لأطفالها الثلاثة بعد استشهاد زوجها خلال العدوان الذي بدأ في 7 أكتوبر. تعاني العائلة من ظروف قاسية، حيث تجلس الأم فوق فراش رقيق تراقب أبناءها وهم يقتسمون وجبة بسيطة حصلوا عليها بعد انتظار طويل.
تقول السباعي: "أحيانا أقف ساعات طويلة للحصول على غالون ماء أو طبق طعام، وابني يبيع الفطائر التي أصنعها حتى نتمكن من شراء احتياجاتنا البسيطة". هذا المشهد يعيد إلى الأذهان صور اللجوء الأولى التي عاشها الفلسطينيون في عام 1948.
في غزة اليوم، لا يعيش الفلسطينيون ذكريات النكبة كحدث تاريخي، بل كواقع يومي وسط القصف والنزوح والجوع. يحيي الشعب الفلسطيني في 15 مايو من كل عام ذكرى النكبة، التاريخ الذي شهد إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنقاض الهوية والجغرافيا الفلسطينية.
دمرت آلة الحرب الإسرائيلية نحو 531 من أصل أكثر من 1300 مدينة وقرية، وهجّرت قسراً نحو 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون نسمة كانوا يعيشون آنذاك. بينما تشير التقارير إلى أن نحو مليوني فلسطيني نزحوا من بين 2.2 مليون كانوا يقيمون في القطاع قبل العدوان، حيث دمرت قوات الاحتلال أكثر من 330 ألف وحدة سكنية.
يقول محمد حسان، النازح من بيت حانون: "العدوان سرق مني منزلي وحياتي الطبيعية، بل حتى شعوري بأن النكبة مجرد حدث مضى". يعبر حسان عن تجربته الصعبة حيث تنقل بين مناطق النزوح سبع مرات قبل أن يستقر أخيراً في خيمة قرب مخيم المغازي.
يضيف: "كنا نسمع عن النكبة من أجدادنا وكأنها قصة قديمة، لكننا نعيشها الآن في تفاصيلها". مشيراً إلى أن الاحتلال يمحو القرى والمدن الفلسطينية مثل بيت حانون ورفح ومخيم جباليا.
داخل الخيام، يواجه النازحون ظروف صحية وبيئية صعبة، نتيجة تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، ما أدى إلى انتشار الحشرات والأمراض. يؤكد حسان أن بناته يعانين من أمراض جلدية بسبب انتشار البراغيث والبعوض.
تشير التقارير الطبية إلى أن قوات الاحتلال دمرت حوالي 700 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، مما أدى إلى طفح المياه وانتشار الأمراض. يقول طبيب الأمراض الجلدية شفيق الخطيب: "انتشار القوارض والحشرات يهدد بظهور أمراض خطيرة".
الأمراض ليست الوحيدة التي تسببت بها الحرب، بل تعرض القطاع الصحي لانهيار غير مسبوق. تحاول سمر الحلبي، المصابة بسرطان الثدي، التعايش مع الألم بعد خضوعها لعملية جراحية، لكنها اضطرت لمغادرة المستشفى بسبب نقص الأسرّة.
تقول سمر: "لا توجد مسكنات أو مضادات حيوية، وأحاول شراء ما أحتاج إليه". بينما ينتظر محمد زقوت، الذي تعرضت والدته لجلطة، تشخيصاً طبيبياً في ظل نقص الأطباء.
تشير المصادر الطبية إلى أن قوات الاحتلال قتلت 1670 من أفراد الطواقم الطبية ودمرت 38 مستشفى و96 مركز رعاية صحية. كذلك، تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية، حيث لا يتوفر سوى 30% من احتياجات المرضى.
تجاوز عدد مرضى السرطان في غزة 12,500 مريض، وتوفي 436 مريضاً بسبب نقص العلاج. في خيام النزوح، يحاول الأهالي إنقاذ مستقبل أطفالهم عبر مدارس بدائية أقيمت بعد تدمير معظم المدارس. الطفلة شام كلخ، التي فقدت عائلتها، تحاول استعادة جزء من طفولتها.
تقول معلمتها إن الطفلة أصبحت من المتفوقات رغم المأساة التي عاشتها. وفق وزارة التربية والتعليم، تعرضت حوالي 95% من مدارس غزة لأضرار، وتحولت المدارس المتبقية إلى مراكز إيواء للنازحين.
تشير المصادر الطبية إلى أن العدوان خلف أكثر من 56 ألف طفل يتيم بعد أن أباد الاحتلال أكثر من 2700 أسرة. تتكرر مشاهد الخيام والنزوح في غزة، مما يجعل النكبة ليست مجرد فصل في التاريخ، بل واقعاً يومياً يتجدد.
