الحرب على ايران: فاتورة باهظة وعبء متزايد على دافعي الضرائب بامريكا
غالبا ما يتم تناول الحروب من منظور عسكري او استراتيجي، لكن الاقتصاد السياسي يقدم قراءة مختلفة، فالحروب تمول من الموازنات العامة عبر الضرائب او الاقتراض الحكومي، مما ينقل العبء المالي الى المواطنين مباشرة او على المدى البعيد.
الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد ايران، والتي تعرف بعملية "الغضب الملحمي"، تكشف عن بعد مالي يتسع ليصبح قضية داخلية في الاقتصاد الامريكي.
تتصاعد التساؤلات في واشنطن حول الكلفة التي سيتحملها دافعو الضرائب، حيث قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان تكلفة اول مئة ساعة من العمليات بلغت نحو 3.7 مليارات دولار، اي ما يقارب 891 مليون دولار يوميا، مع ملاحظة ان نحو 3.5 مليارات دولار من هذه النفقات لم تكن مدرجة اصلا في ميزانية وزارة الدفاع، مما يرجح الحاجة الى اعتمادات اضافية من الكونغرس.
تشير تقارير صحفية الى ان الكلفة الاجمالية للحرب تجاوزت بالفعل خمسة مليارات دولار عند احتساب الانتشار العسكري الاضافي وخسائر المعدات، وتعكس هذه الارقام واقعا اقتصاديا واضحا، اذ تتحول الحروب الحديثة الى التزام مالي واسع تتحمله الخزانة الامريكية وينتهي عبؤه على دافعي الضرائب.
اطلقت الولايات المتحدة المرحلة الاولى من عملية "الغضب الملحمي" عبر حملة مكثفة من الضربات الجوية والبحرية استهدفت مواقع داخل ايران، واظهرت بيانات الجيش الامريكي ان القوات الامريكية قصفت نحو الفي هدف في اقل من اربعة ايام مستخدمة اكثر من الفي ذخيرة بمشاركة مئات الطائرات المقاتلة وعدد كبير من القطع البحرية.
هذا المستوى من العمليات العسكرية انتج ثلاث فئات رئيسية من التكاليف تشمل:
- تكاليف التشغيل العسكري: تشغيل الطائرات والسفن الحربية، امدادات الوقود والنقل العسكري، ورواتب الجنود والحوافز المرتبطة بالعمليات.
- تكاليف الذخائر العسكرية: اعادة ملء المخزون العسكري بعد استخدام الصواريخ والقنابل اثناء العمليات.
- تكاليف الخسائر العسكرية: استبدال المعدات المتضررة او المدمرة واصلاح المنشات العسكرية المتضررة.
يظهر تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان الذخائر شكلت الجزء الاكبر من الفاتورة، اذ بلغت تكلفة استبدالها نحو 3.1 مليارات دولار من اصل 3.7 مليارات دولار انفقت في اول مئة ساعة من العمليات.
بلغت تكلفة العمليات الجوية في الفترة نفسها نحو 125 مليون دولار، بينما تستمر هذه العمليات في استهلاك الموارد بمعدل يقارب 30 مليون دولار يوميا.
كما بلغت تكلفة تشغيل القوات البحرية المشاركة نحو 64 مليون دولار في المدة نفسها، في حين تواصل السفن الحربية المنتشرة في المنطقة استنزاف نحو 15 مليون دولار يوميا للحفاظ على مستوى العمليات الحالي.
تكشف هذه الارقام عن سمة اساسية في الاقتصاد العسكري المعاصر، اذ يستهلك تشغيل القوة العسكرية المتقدمة موارد مالية ضخمة حتى قبل احتساب الكلفة الكاملة للاسلحة والذخائر المستخدمة.
يرتبط ارتفاع كلفة الحروب الحديثة بطبيعة الاسلحة المتقدمة المستخدمة فيها، اذ تعتمد الجيوش على الذخائر الموجهة بدقة والتي تعزز الفعالية القتالية لكنها ترفع الكلفة المالية للعمليات العسكرية.
تشير التقديرات الدفاعية الى ان:
- صاروخ "توماهوك" المجنح تبلغ كلفته نحو 3.6 ملايين دولار.
- حزمة التوجيه "القصف المباشر المشترك" التي تحول القنابل التقليدية الى ذخائر موجهة تبلغ كلفتها نحو 80 الف دولار.
- صاروخ الاعتراض "باتريوت" المستخدم في منظومات الدفاع الجوي تبلغ كلفته نحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد.
يحذر خبراء الميزانيات الدفاعية من ان الدفاع الصاروخي قد يصبح احد اكثر عناصر الحرب تكلفة، فقد اوضح بن فريمان من معهد كوينسي للحكم المسؤول ان اعتراض صاروخ ايراني واحد قد يتطلب اطلاق عدة صواريخ باتريوت، ما قد يرفع تكلفة الاعتراض الى اكثر من 40 مليون دولار، في حين قد تدفع عمليات اعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيرة تكاليف الدفاع الجوي الى مليارات الدولارات اذا استمر الصراع.
تكشف التقديرات الاولية ان جزءا كبيرا من الانفاق العسكري المرتبط بالحرب لم يدرج ضمن الموازنة الدفاعية الامريكية، ويظهر تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان معظم الاموال التي صرفت في الايام الاولى من العمليات لم تكن مغطاة في ميزانية وزارة الدفاع، مما يرجح لجوء الادارة الامريكية الى طلب اعتمادات اضافية من الكونغرس.
تشير تقارير الى احتمال طلب تمويل طارئ قد يصل الى 50 مليار دولار لتعويض الذخائر المستهلكة واستبدال المعدات المتضررة ودعم الانتشار العسكري في المنطقة.
لا يمثل هذا المسار سابقة في السياسة المالية للحروب الامريكية، اذ اعتمدت الادارات الامريكية في حربي العراق وافغانستان الية تمويل طارئة عرفت باسم حساب العمليات الطارئة الخارجية، استخدمها الكونغرس لتمويل العمليات العسكرية خارج الميزانية الدفاعية التقليدية.
تجاوز اجمالي الاموال المخصصة لهذا الحساب تريليوني دولار قبل الغائه عام 2021، مما اثار انتقادات واسعة بسبب اتاحه انفاقا ضخما خارج القيود الرقابية المعتادة على الموازنات العامة، وتشير تقديرات الى ان الحرب الحالية قد تسلك مسارا ماليا مشابها اذا اتسعت العمليات او طال امدها.
يعد اسلوب تمويل الحروب عاملا حاسما في تحديد اثارها الاقتصادية الطويلة، ففي التجربة الامريكية الحديثة نادرا ما جرى تمويل النزاعات العسكرية بالكامل عبر الضرائب، اذ اعتمدت الحكومات بدرجة كبيرة على الاقتراض العام مما يعني ترحيل جزء مهم من كلفة الحروب الى اجيال لاحقة من دافعي الضرائب.
تقدم حروب الشرق الاوسط في العقدين الماضيين مثالا واضحا على ذلك، فقد قدر مشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون ان الكلفة الاجمالية لحربي العراق وافغانستان بعد احتساب النفقات العسكرية المباشرة والرعاية الصحية للمحاربين القدامى ومدفوعات الفوائد على الدين المرتبط بالحرب قد تتجاوز ثمانية تريليونات دولار.
رغم ان المواجهة الحالية مع ايران ما تزال في مراحلها الاولى، يحذر خبراء الاقتصاد العام من انه حتى الحروب المحدودة قد تخلف اثارا مالية طويلة الامد اذا امتدت زمنيا، اذ يؤدي توسع الانفاق العسكري الى توسيع العجز ورفع الدين السيادي مما يفرض لاحقا اعباء اضافية على الميزانية الفدرالية في شكل مدفوعات فوائد متزايدة على الديون المتراكمة.
يسعى الاقتصاديون عادة الى تحويل تكاليف الحروب الى مؤشرات ملموسة توضح انعكاسها المباشر على المواطنين، ويقدر عدد دافعي الضرائب في الولايات المتحدة بنحو 160 مليون شخص مما يسمح بتقدير العبء المالي للحرب على مستوى الفرد.
بحسب التقديرات المتاحة حاليا فان انفاق نحو 3.7 مليارات دولار في اول مئة ساعة من العمليات يعادل قرابة 23 دولارا لكل دافع ضرائب، اما اذا ارتفعت الكلفة الاجمالية للعمليات الى نحو 50 مليار دولار فان العبء قد يصل الى ما يقارب 312 دولارا لكل دافع ضرائب.
قد تبدو هذه الارقام محدودة عند النظر اليها بصورة فردية، لكنها تعكس سرعة تراكم النفقات عندما تستمر العمليات العسكرية لفترة اطول.
كما ان هذه الحسابات تقتصر على الانفاق العسكري المباشر ولا تشمل التكاليف غير المباشرة التي تظهر لاحقا مثل الرعاية الصحية للمحاربين القدامى او مدفوعات الفوائد على الديون المرتبطة بالحرب، وتظهر التجارب التاريخية ان هذه الالتزامات الممتدة قد تتجاوز الانفاق العسكري الاولي بعدة مرات.
لا تتوقف اثار الحروب عند حدود الموازنات الحكومية بل تمتد الى الاقتصاد اليومي للاسر، ويعد سوق الطاقة من اكثر القطاعات حساسية لاي تصعيد عسكري يتعلق بايران نظرا لموقعها الجغرافي قرب مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
قد يؤدي اي اضطراب في تدفقات الطاقة او ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية في المنطقة الى دفع اسعار النفط الى الارتفاع وهو ما ينعكس سريعا على اسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، واشار تحليل نشرته شبكة "سي ان ان" حول الكلفة الاقتصادية للحرب الى ان التوترات العسكرية بدات بالفعل تؤثر في اسعار الطاقة والاسواق المالية مما يضيف ضغوطا اضافية على الاقتصاد الامريكي.
عندما ترتفع اسعار الطاقة يمتد تاثيرها الى قطاعات اقتصادية واسعة تشمل النقل والصناعة والزراعة وانتاج الغذاء وتوليد الكهرباء.
غالبا ما يظهر هذا الاثر في صورة ارتفاع عام في الاسعار يلمسه المستهلكون مباشرة في تكاليف المعيشة اليومية.
تلقي الكلفة الاقتصادية للحروب بظلالها على النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة، فقد اظهرت استطلاعات للراي اجرتها رويترز/ابسوس بعد اندلاع الحرب ان شريحة ملحوظة من الامريكيين ابدت قدرا من التحفظ تجاه الحرب خصوصا مع تزايد المخاوف المرتبطة بتصاعد التكاليف المالية والاقتصادية.
يرى باحثون في شؤون السياسة الخارجية ان وضوح الصورة المالية للحروب يشكل عنصرا مهما في النقاش العام داخل الانظمة الديمقراطية.
في هذا السياق اشار كريس بريبل الباحث في مركز ستيمسون الى ان الادارة الامريكية مطالبة بتقديم تقديرات اكثر وضوحا بشان الكلفة الفعلية للحرب بما يتيح للراي العام فهم الابعاد الاقتصادية للقرارات العسكرية الكبرى.
يبقى العامل الحاسم في تقدير الكلفة الاقتصادية للحرب مرتبطا بمدتها الزمنية، فالحملات العسكرية القصيرة قد تبقى ضمن نطاق مالي يمكن احتواؤه نسبيا، في حين تتحول الحروب الممتدة غالبا الى التزامات مالية تستمر سنوات واحيانا عقودا.
اذا بقي الصراع ضمن نطاق محدود قد تظل كلفته في حدود عشرات المليارات من الدولارات، اما اذا اتسع نطاق المواجهة اقليميا او استمرت العمليات العسكرية لفترة اطول فقد ترتفع الفاتورة المالية بشكل كبير.
تشير الخبرة التاريخية في الحروب الحديثة الى ان التقديرات الاولية للكلفة غالبا ما تكون اقل بكثير من الفاتورة النهائية التي تظهر لاحقا مع تراكم النفقات والالتزامات المالية.






